يتعزز اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، شعور بضرورة إعادة الاعتبار للثقافة في حياة الشباب بوصفه الأكثر حيوية في المجتمع، و يحدد معالم مستقبله، كما تؤكد على ذلك المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وتدعو إلى مزيد من الاهتمام لفتح الآفاق للشباب باتجاه زيادة قدراتهم وفرصهم على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، خصوصا في عالم يتغير باستمرار ويفرض نماذج سياسية وثقافية تقوم على قوة وهيمنة، الثورة الرقمية التي فرضت أنماط الاستهلاك الثقافي، وخاصة بين جيل الشباب.

في المعرض الدولي للكتاب، الذي يفتتح أبوابه للعموم يومه الجمعة، اتخذت مؤسسات وطنية الشباب كمحور لأنشطتها وتفاعلها لإثارة الانتباه إلى سؤال الثقافة في أوساط الشباب.

لقد أصبح الوصول إلى المعلومة والمعرفة والثقافة، يمنح للشباب نطاقا و مجالا ثقافيا جديدا، و أعاد توزيع موازين الشرعية الثقافية وتعريف دورها في أشكالها المختلفة، خارج الدوائر المؤسسية ودور الثقافة، موجهة بذلك ضربة موجعة للإبداع والإنتاج الثقافي أمام ضعف وهشاشة السياسات الثقافية الموجهة للشباب، وغياب رؤية تساهم في تطوير علاقة الثقافة بالشباب، وما يحتاجه ذلك من بناء المؤسسات والفضاءات والمراكز، التي تأخذ على عاتقها مهمة تطوير علاقة المجتمع بالثقافة كاهتمام وممارسة وأبعاد وآفاق وآمال.

لاشك أن وجود مؤسسات على صعيد التراب الوطني لا تشكل ترفا ثقافيا ، بل إنها من صميم الوجود الإنساني، بحيث تعرض القيم والمبادئ وتنمي شخصية الشباب على تعلم الحياة بما هو جميل فيها ، وبانخراط الدولة في تنمية هذا الجانب الحيوي في حياة الشباب، ستوفر لهم الحماية بدل اعتبارهم كتلة مستهلكة لقيم الحضارة الكونية على حساب الخصوصيات الثقافة للمجتمع.

لم يعد المفهوم الجديد للاندماج الاجتماعي يعد يعني تعلم مهنة ما، بل لابد من الانخراط في المسار العام والجماعي للتنمية المستدامة. ولكي يكون الفرد فاعلا في هذه العملية، لابد أولا من تنمية قدراته الثقافية على الاندماج والإبداع. ولن يتأتى إلا بتطوير إمكاناته على الخلق والإبداع وذلك عن طريق الثقافة ، باعتبارها محركا لإرادة الشباب، ومحفزا لهم على الدخول والانخراط في تجربة حياتية مفتوحة على كل التجارب الإنسانية البناءة للحد من الظواهر الاجتماعية المولدة للعنف والانحراف.

على أن واقع الحال، يبرز إلى أي حد تظل الثقافة مهمشة في ظل السياسات الحكومية المتعاقبة، ولأدل على ذلك هزالة الميزانية المخصصة للقطاعات المعنية والضعف الكبير الذي تعرفه الإمكانيات المادية الملموسة المرصودة للسياسات الثقافية وبنيات القرب، كما أن المؤسسات الثقافية بمختلف أصنافها تبقى بعيدة جدا عن التغطية الشاملة للتراب الوطني، مما يبرز أن الحقوق الثقافية لا تأخذ مكانا محوريا على صعيد أجندة الدولة، ولا تحقق سياسات تقوم على تكريس الخدمات الثقافية التي تساهم في تكوين الشباب وتمرسه على القيم وامتلاك مفاتيح فهم الحياة، والمشاركة في الحياة العامة، وتبدو الحاجة اليوم ملحة لإعادة الاعتبار لأهمية حضور الثقافة في حياة الشباب في برامج وميزانيات السياسات العمومية كأولوية تنموية تعكس مدى العناية والرعاية التي يحظى بها الشباب في المنظور الاستراتيجي للدولة، من خلال اعتماد الديمقراطية الثقافية، التي تشجع الإبداع الثقافي في أوساط عامة للشباب،وتعتبره سلطة التغيير في مجتمع يحتاج إلى لياقة فكرية لشبابه من أجل تنمية مستدامة.

 

الجمعة 10 فبراير 2017.