يشكل المعرض الدولي للكتاب المنظم حاليا بالدار البيضاء في إطار دورته ال23 فرصة لرسم ملامح الخريطة الثقافية المغربية من زاويتي النشر والنقاش الفكري على الأقل . فباستثناء بعض النقط المضيئة المتمثلة في عرض إصدارات قيمة محدودة في حقول الإبداع والسياسة وحضور بضع شخصيات وازنة لتناول بعض القضايا، فإن الدورة تؤشر على انحسار ثقافي من المحتمل أن يتفاقم إن لم يتم تدارك أسبابه ووضع الأصبع على مكامن اختلالاته قصد معالجتها .

ولعل أحد أبرز الأسباب التي تقف وراء هذا الوضع تتمثل :

أولا ؛ في رقم الثقافة ضمن معادلات السياسات العمومية بشكل عام . فالوزارة التي يناط بها تدبير الشؤون الثقافية لا تحظى من حيث الاعتمادات المرصودة لها ضمن الميزانية العامة للدولة سوى ب 0.3 بالمئة أو لنقل إنها بالكاد وصلت إلى مجموع واحد بالمئةخلال الثلاث سنوات الماضية مجتمعة . وهي اعتمادات توجه بالدرجة الأولى للتسيير الإداري وتدبير بعض المنشآت. ..

فبالرغم من المجهودات التي تبذلها كفاءات بالوزارة من أجل الإنتاج الثقافي،فإن إكراهات موضوعية تحول دون ترصيد هذه الجهود من جهة، دون بلورة مشاريع وبرامج طموحة من جهة ثانية. ودون شك،فإن الرفع من ميزانية الشؤون الثقافية كفيل بالمساهمة في سن سياسة ثقافية مبدعة ومنتجة.

إن المغرب اليوم، بحاجة ماسة لفتح آفاق رحبة أمام مثقفيه في شتى حقول الإبداع والمعرفة من خلال توفير البنيات الضرورية، ودعم الانتاجات سواء أكانت كتبا أو وسائط ذات حمولات ثقافية . .. فلم يعد مقبولا اليوم أن لا يتجاوز عدد الكتب المنشورة سنويا ثلاثة آلاف نسخة وأن لا يطبع من الكتاب الواحد أكثر من ألف وخمسمئة نسخة .

ثانيا؛ ليس هناك عدالة مجالية في التخطيط الثقافي ببلادنا. فالتركيز على المدن الكبرى تنشيطا وتجهيزا وتأطيرا ومرافق، يعد سببا في ضعف السياسة العمومية بالحقل الثقافي . وهذه اللاعدالة، ماهي إلا نتاج لغياب المقاربة الجهوية التي من شأنها أن تخلق دينامية،تتطور معها المنتوجات الثقافية المختلفة،وتحافظ على التنوع الثقافي وتساهم في التنمية البشرية ذات البعد الثقافي.

وإذا كان المعرض الدولي للكتاب والنشر هذه السنة، أبرز الحاجة القصوى لدعم العملية الثقافية بالمغرب ماديا ومعنويا وجهويا، فإنه يؤكد من خلال بعض المؤشرات الأولية على ضرورة خلق الشروط، للحفاظ على الكتاب الورقي، في مواجهة تنامي ظاهرة الكتاب الالكتروني،وتلك أحد أبرز الإشكالات والتحديات المطروحة بحدة اليوم .

وبالرغم من كل ذلك، فإن دورة هذه السنة، تشمل نقطا مضيئة تتمثل في الاستمرار على انفتاح المغرب على فضائه الافريقي، بدعوة المجموعة الاقتصادية لدول إفريقيا، كضيف شرف وفي تنوع مبادرات بعض الأروقة في تنظيم أنشطة موضوعاتية ، كما أن هناك بروز ا لجيل جديد من المثقفين الشباب، خاصة النساء، الذين أغنوا المكتبة المغربية بإبداعاتهم، وبادروا إلى طرح قضايا ثقافية مهمة للنقاش العام …

الاربعاء 15 فبراير 2017.