قال القائد والمفكر الراحل  محمد عابد الجابري ((...كنت  ولازلت أومن أن التجديد في جميع المجالات يجب أن يكون من الداخل أولا ..وأن التغيير السياسي الحقيقي هو الذي ياتي نتيجة عمل في صفوف الجماهير تنظيما وتوعية .وأنه في مجتمع كمجتمعنا يجب حشد جميع القوات والطاقات التي تنشد التغيير ويكون في مصلحتها ..))

الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية القلب النابض بالحياة  والعمل السياسي وروح الوطنية الخلاقة ودينامية  المقاومة  من أجل استقلال المغرب وبنائه وحماية توابثه المشتركة   في استمرارية متكاملة ومنسجمة مع قناعاته الفكرية المنفتحة على كل ما يمكنه ان يطور الاداء السياسي والتنظيمي والمجتمعي والثقافي خدمة للتنمية المستدامة المحققة للمجتمع  المنشود الذي يكون  الانسان  فيه هو محور كل شيئ بتحقيق كرامته وحريته وسعادته …

فمن انتفاضة 25  يناير 1959 الى 2017  ..أي ما يناهز  58 سنة   كانت مليئة بالعمل  البناء للحزب و للدولة من المؤسسات المتوفرة آنذاك , وللمجتمع المدني حيث يؤدي وظيفته النضالية في جميع حالات عمله واشتغاله  كمعارضة بناءة  بانفتاح على الدولة حتى عندما تواجهه بقوة وصرامة أوحتى عندما يكون داخل المسؤوليات الوطنية بما فيها الحكومية   والمؤسسات المنتخبة   ..الى بناء وتقوية المجتمع المدني بتاسيس وتطوير الحركة النقابية والحركة الطلابية والتلاميذية  او تاسيس جمعيات وطنية رائدة ..الى القيام بادوار طلائعية على مستوى التاطير والبحث  والنهضة العلمية والادبية ..الى تحدي كل اشكال القمع والترهيب الممارسة عليه رغم اختياره لاستراتيجية النضال الديموقراطي في مؤتمره الاستثنائي …

تاريخ كان فيه  الاتحاديون والاتحاديات متحملين لكامل مسؤولياتهم  ومعبرين بارادة حرة عن  الحقيقة التي يؤمنون بانها  في صالح الوطن .. و يتخذون   القرارات التي يعتقدون انها  صحيحة  وفق اجتهادهم في كل مرحلة سواء باتخاذ قرار المشاركة في إدارة أمور الدولة أو عدم المشاركة أو التعارض مع بعض سياسات واختيارات الدولة  أو مساندتها  وموافقتها  الكاملة في قضايا مختلفة  ..كما كان متحملا لمسؤولياته تجاه نتائج قراراته ومبادراته وسياساته   من نجاحات أو انتكاسات   في المسار السياسي ليس بالاتحاد فقط بل بالمشهد العام  بالمغرب ككل  ..ولقد مارس الاتحاديون  النقد والنقد الذاتي بجراة وصرامة  تنظيمية في كل المحطات والتي تسببت احيانا في تعقيد الامور او ظهور خلافات او صراعات داخلية تباينت تاثيراتها من مرحلة الى اخرى …

فبقدر ما  خلفت قرارات المشاركة في الاستحقاقات  – ” استراتيجية النضال الديموقراطي ” –  و ادارة المشهد العمومي اطمئنانا وقفزات نوعية في بناء الدولة وتقوية علاقاتها الخارجية  ..بقدر ما تسببت في اختلافات وصراعات داخل الحزب أفرزت  أحزابا يسارية جديدة خرجت من  الاتحاد … أو ادت الى مغادرات ساهمت في تطعيم تيارات يسارية أخرى .. وأحيانا  تيارات يمينية والتواجد بقياداتها ..ونفس الشيئ  تقريبا حصل  بالنسبة للحركة النقابية …

ومن الاسباب المشتركة بين جل الذين غادروا سفينة الاتحاد هو مشاركاته في الانتخابات الجماعية والتشريعية والحكومية  والذين اصبحوا  باجمعهم تقريبا مع المشاركة ويتنافسون في الانتخابات وقد يلتقون في العديد من الدوائر الانتخابية كمتنافسين  تشريعيا أو جماعيا  فتجد الاتحادي  ينافسه أحيانا “اتحادي” سابق أصبح  منتميا  لليمين أو اليسار أو غيرهما ؟ ..

إن الاتحاد الاشتراكي بقدر ما يقدم الشيئ الكثير في عمليات تحديث وتطوير الدولة  من داخل مؤسساتها  بقدر ما يتضرر تنظيميا ويتعرض لصدمات وردود أفعال وهجمات  تتباين تاثيراتها بين كل مرحلة واخرى سواء بسبب بعض التنازلات التي تقدم لتحقيق توافقات مرحلية معينة.. أو بسبب تناقضات تحدث عند اعتماد قرارات واختيارات  لايطمئن إليها  او لايوافق عليها   الاتحاديون والاتحاديات ..كما ان الخصوم التاريخيين للحزب لايفترون  ولا يكلون من معاداة  الاسرة الاتحادية  في كل المحطات  لعلة او بدونها حيث يوظفون  كل قدراتهم للاساءة وترويج المغالطات والاكاذيب والاشاعات الفارغة  ولم لا فبركة قضايا وملفات لالهاء الراي العام وتاليبه ضد الحزب ..

ان الصراعات التي يواجهها الاتحاديون بالمجتمع ومؤسسات الدولة يستطيعون إدارتها واحتواءها والتغلب عليها بصبرهم وتفكيرهم الناضج والمتميز وقوة اقتراحاتهم وبدائلهم   حيث يكونوا موحدين وخصمهم الرئيسي يوجد خارج التنظيم والذي تمثله السياسات التي جاء الاتحاد من اجل تغييرها لمصلحة الشعب …

إلا أنهم يجدون أحيانا صعوبات  في إدارة القضايا الخلافية الداخلية عندما يتعلق الامر بالسياسات العمومية أو بالمنظومة الفكرية المؤطرة للنضال وضوابط التغيير وطبيعة تدبير ووضع تحالفات مرحلية ببعدها المحلي او الجهوي او الوطني  او ببعدها التوافقي ..او عندما يتعلق الامر بالآليات التنظيمية ومفهوم القيادة وفلسفة ادارة التنظيم والمنظمات الموازية للحزب…

إن مشكلة صعوبة تدبير التناقضات والخلافات الداخلية هي أهم نقط ضعف اليسار والتي بقدر ما ساهمت وتساهم  في انضاج وتطوير  النقاش والافكار والبدائل … تتسبب في توثير الاجواء واضعاف اللحمة الداخلية واعطاب الحركة التقدمية وتاخير التغيير المنشود الذي لن يتحقق الا بالتشبع بالقيم الديموقراطية  وتنظيم وعقلنة الاختلافات والتناقضات داخل الحزب او احزاب اليسار ..وبالايمان بحق الاخرين في الوجود والعمل من اجل التنمية وبناء الدولة كل وفق منهجه ووجهة نظره بعيدا عن كل اشكال التحكم والاقصاء والتسلط تحت اي مسمى , مع الحرص على تقدير كل جهد يبدل ولو كان محدودا..

إن الاغراق في الاعتقاد باننا الوحيدين الذين نمتلك الحقائق والحلول والقادرين أكثر من غيرنا   – واقصد هنا كل مكونات العائلة الاتحادية منذ التاسيس الى اليوم من بقي او من اختار لنفسه اطارا بديلا  – ونفينا للمعرفة والقدرة عن بعضنا البعض داخليا وعن  الاخرين ..وأحيانا التردي بالكلام والكتابات الى مستويات لايقبل بها كل من يمتلك حدا  أدنى من المنطق و الاحترام    يعتبر من اسباب اضعاف الحزب داخليا وخارجيا واضعاف اليسار عموما ..

ومن هنا فنحن مطالبين اكثر من اي  وقت مضى بان نعمل على مراجعة ذواتنا واخضاعها لنقد ذاتي موضوعي ومنطقي لايسعى الى جلد الذاث .. كما لايبتغي  تبخيس الاعمال والاراء المخالفة  ..وبان نمأسس بعقلانية وعلمية لتدبير وتنظيم اختلافاتنا وتخليق اليات الحوار والتواصل المنبنية على التواضع النضالي والاحترام والتقدير للجميع  وفاء لتاريخنا المجيد الذي ليس ملكا لنا وحدنا …

وعلينا ان نعيد بناء صورة وهوية الحزب ليس باستغراق وتقديس للتاريخ ..بل بقراءات متجددة نقدية بناءة لماضينا .. وبتامل وتمحيص يهم خصوصيات وحال حاضرنا وبالتجاوب العملي والسلس مع طموحات ومصالح الشعب كما يراها ويتصورها ويريدها وليس كما نراها نحن فقط  كمنظرين ; وذلك بملاءمة افكارنا مع ارادة الشعب دون افراغها من اهدافها وغاياتها النبيلة التي نؤمن بها …

لهذا فتقوية بناء الحزب تتطلب منا ومن احزاب اليسار الاخرى ان نعمل جميعا من اجل..:

*بناء الحزب المؤسسة قاعدة وقيادات محلية واقليمية وجهوية وقطاعية ووطنية يخضع فيها الجميع  لمبادئ الحزب وتوجهاته وقوانينه ومقرراته بممارسة الديموقراطية  بمختلف تجلياتها و اعتماد الشفافية والحكامة العادلة والتدبير  التشاركي  في الحياة اليومية الحزبية والعامة  ..   وجعل  الانتماء للحزب مسؤولية وامانة  كما  المهام المسندة للمناضلين والمناضلات على اي مستوى وفي اي مجال تسعى لخدمة الصالح العام  بالوطن والحزب ومؤسساته ..

*توفير كل الشروط والضمانات بالتوافقات الممكنة حول القضايا المشتركة ..وترك القضايا الخلافية للمختصين لتدبيرها وتهذيبها وتخفيف تناقضاتها …

*التكامل والتعاون لادارة وتاطير النضالات للدفاع عن الجماهير الشعبية  ولتحقيق  التغيير المنشود  باقل الخسارات الممكنة  وبناء الدولة الوطنية العادلة و ذلك بتجميع وتوحيد الحركة النقابية  بما فيها الحركة الطلابية …وباحداث مؤسسات فاعلة  للتاطير والتكوين ونشر المعرفة   في مواجهة التخلف الفكري والعصبية والجهل بكل انواعه …

ان قوة الاتحاد الاشتراكي ورصيده امانة كبرى بين ايدي الاسرة الاتحادية اساسا واسرة اليسار ثانيا ..كما انها كانت رافعة وفاعلة عبر تاريخ الاتحاد تجاه العالم الثالث وتجاه كل قوى التحرر والتغيير في مختلف القارات  وتجاه بناء دولة المؤسسسات وتركيز العدالة بمختلف تجلياتها ..

 ان الحزب بمناضليه ومناضلاته والقوى المتعاطفة والنصيرة له ما زالوا يحملون قدرات وطاقات خلاقة تحتاج فقط الى جهد وصبر وتجاوز ايجابي  ليحققوا ما استشهد وضحى من اجله السابقون  ومازال الحاضرون يضحون …

تارودانت 16 فبراير 2017.