لعل الذي يدخل مدينة تارودانت لأول مرة ، يشعر و كأن صفحة من صفحات التاريخ القديم قد فتحت أمامه ، ليس فقط بسبب التشابه الكبير بينها و بين العديد من المدن التاريخية في اليونان أو البلدان اللاتنية .. و لكن أيضا لطيبوبة أهلها و خلفتيهم التقافية حيت الإرتباط الوثيق بالروحانيات و التشبت بالعادات و التقاليد العتيقة .. وهدا ما يفسره وجود العديد من الأضرحة و الزوايا ..

و الرحبة القديمة من بين الأماكن التي حظيت بنصيب وافر من هذه الزوايا ذات الطابع الطائفي السلمي .. لاسيما و أنها على بعد مرمى حجر من ضريح الولي الصالح سيدي وسيدي والذي بسببه لا يجرؤ المؤمنون بقدسية تارودانت أن تطأ اقدامهم ارضها الإ وهم حفاة يسبحون ، يمشون ببطء وقد تأبطوا نعالهم .. ايمانا بحرمة هده المدينة العتيقة .

لدلك كنت انا كدلك كلما وطئت قدماي أرض بلدتي الطاهرة إلا وحرصت على زيارة الرحبة القديمة ، و لا أكاد اقترب منها حتى تشنف أسماعي تلك النغمات المنبعتة من ” الغيطة ” و التي ظل ” المعلم ” يروضها على رقصات أنامله .

كيف لا و أذنه الموسيقية ألفت ان تطرب لألحان كبار أهل الحضرة حيت تمتزج دقات الطبول مع رنات غارقة في طقوس الطائفة الحمدوشية .
في الحقيقة لم تكن بروفات المعلم ” طونيو ” وحدها تلهب ضيوف ” حارة ” الرحبة القديمة ، ولكن أحاديت باقي أعضاء الفرق الاخرى كانت هي الأخرى تجد طريقها إلى اسماع الحاضرين .. فبينما كان البعض يتتلمذ على يد ولد الفقيه .. كان البعض الآخر يستمع لتوجيهات ” مولاي اسماعيل ” هدا الطبال – الغياط و الذي كان له باع لا يوازيه مرتبة الا صديقه في الحرفة أبا عبد الجليل .. و كان عبد الجليل هذا كبقية الاطفال الذين تعلق قلبهم مبكرا بطقوس عيساوة و حمادشة .. كان يتمرن مع اقرانه على العزف و الغناء .. أسوة بأخيه الأكبر الفنان ” غويني ” فالرحبة كانت عبارة عن مدرسة مفتوحة لتلقين دروس إستتنائية في فنون الطرب و الملحون … و لقد تخرج منها مبدعين أكفاء متل ” الكردماس ” عبدالواحد ايت القايد .. وكتيرون ماهم …

و اليوم وانا ارى عبد الجليل و الكتير من اترابه قد واصلوا رحلة الفن و الإبداع حيت يقومون مشكورين بإحياء الموروت التقافي المحلي في المناسبات الدينية و الوطنية، اشعر بشيئ من الشوق و الحنين يجرني الى تلك الجلسات الرائعة التي كنا نستمتع فيها بقفشات المرحومين سي محمد الطونيو ولد الفقيه و مولاي اسماعيل طيب الله تراهما و أدخلهما فسيح جناته .

الدار البيضاء 17 فبراير 2017.