من البديهي أن تسعى كل حكومة إلى نيل رضى المجتمع، كما تنص على ذلك الدساتير وخطب الحكومة وبياناتها. لكن الرضا المجتمعي لا يتحقق بالخطب فقط، بل ينجم عن إجراءات فعلية وعملية تستجيب لمطالب المواطنين وطموحاتهم، كما أنه يغيب ويذهب بغياب هذه الإجراءات الفعلية. والشعب المغربي الذي عانى طويلا من رياء الحكومة وتناقض نصوصها وخطاباتها مع الوقائع والأفعال، وأتعبته الوعود الكاذبة، لَم يعد يصدق النصوص الفارغة، ولا الخطب الجوفاء التي صارت عملة رائجة في هذا الزمن عن طريق توظيف صخب الإعلام المرتب والمخدوم.

إضافة، إلى ذلك، ليس الإرضاء الاجتماعي سوى تعبير عن مشاعر ومصالح ملايين المواطنين الذين تختلف أوضاعهم الاجتماعية المتقاربة ومواقفهم الفكرية أو السياسية، حيث تربطهم روابط قوية تدفع مشاعرهم المتشابهة في اتجاه الرضا أو الغضب وفق ما يشبه شحنة كهربائية، كشحنة النزعة الوطنية الرافضة للإرهاب وتفتيت النسيج الوطني ولحمته.

وقد تتقوى هذه النزعة الوطنية بشحنة غضب نتيجة سوء أداء الحكومة في المجال الاجتماعي….. فرئيس الحكومة وأعضاؤها ناجحون فقط في ترديد عبارات مثل: “ليس للدولة إمكانات مالية”، “من أين سنأتي بالإمكانات والوسائل التي ستمكننا من تلبية مطالبكم الاجتماعية؟ ! “، “لم تعد الدولة قادرة على تقديم ما تطلبونه من خدمات اجتماعية عمومية”….

إن المواطنين لا يصدقون هذه الأقوال، وأعضاء الحكومة يدركون ذلك، ويغضون الطرف عنه أملا في أن نغمض نحن – الفقراء ومتوسطي الحال- أعيننا عنه، رغم أن الإجراءات الحكومية المجحفة والمفتقدة للحد الأدنى من الذكاء قد قصمت ظهورنا، وهي إجراءات تبرَر بخطابات مهترئة، وتؤخذ من كراسات منتهية الصلاحية، ولا تستشعر انعكاس تدابيرها على الفقراء ومتوسطي الحال الذين اكتشفوا أن دخلهم الفعلي قد فقد عموما، ما يفوق الأربعين في المائة من قيمته، بينما تعمل الحكومة على إكراههم على تحمل المزيد من التفقير والتجهيل والإقصاء… فالحكومة تركع أمام المؤسسات المالية الدولية، وفِي الوقت ذاته ترفض أي إجراءات حمائية باعتبارها مرفوضة محليا ودوليا، ما لا يستسيغه عاقل ولا عقل، حيث يلحق ذلك أضرارا بالسلطة ذاتها، لأنه يجعلها تفقد نسبة كبيرة من رضا المجتمع، ما قد يتسبب في إثارة فتن اجتماعية تخدم إستراتيجية بعض القوى الأجنبية التي تروم تفتيت وحدتنا الوطنية عبر تمزيق النسيج المجتمعي الوطني. وقد عولت الحكومة على البرلمان لتمرير مشاريعها الجائرة التي تجهز على المكتسبات الاجتماعية للشعب المغربي.

تتذرع الحكومة بأن البرلمان يدعمها، لكن هذا القول مردود عليه بما جاء على لسان جان جاك روسو الذي يقول: «تتحقق الديمقراطية الحقيقية عندما يصادق عضو البرلمان على القوانين، ليس وفق وجهة نظره، وإنما وفق رؤية من انتخبوه». لكن ما حدث عندنا في الانتخابات السابقة يتنافى مع هذا القول تماما، حيث تحكمت في تشكيل البرلمان كل من النزعة القبليَة والطائفية والمال الفاسد، ما يصعب معه الحديث عن كون هذا المجلس مؤسسة ديمقراطية، حيث تتحكم في أعضائه عوامل عرقية وطائفية ومصالح شخصية تتعرض مع المواطنين وطموحاتهم .

ويبدو لي أن العبارات السابقة للحكومة التي يتباهى أعضاؤها بأنها وصفة ناجعة لحل مشكلاتنا المالية ويعتبرونها وصفة ناجعة يجب تناولها، بينما هي دواء مسموم ليس فقط لأنه ظالم، وإنما لأنه يُجازف بتهديد الاستقرار بعنف، إذ بدون ضمان الاستقرار الفعلي لا يمكن تهيئة الأرضية الصلبة للاستثمار مغربيا كان أو عربيا، أو دوليا؛ إذ لا يمكن لأي رأسمالي أن يستثمر أمواله في بلد لا يضمن أجواء الأمن و الاستقرار.

لقد قادني التأمل في ما اتخذته الحكومة من قرارات لا شعبية إلى استنتاج أن بعض مسؤولي الدولة لا يأخذون الأمور الحياتية للناس بالجدية المطلوبة، وغير قادرين على التنبؤ بالمشكلات، وعاجزون عن مواجهة المواقف والأزمات والتصدي للمشكلات العامة، ويفتقدون القدرة على المبادرة ولا يملكون القدرة على العطاء والإبداع. إن تجاهل المطالب الشعبية، يفضي إلى زعزعة الاستقرار كما حدث في السنين الأخيرة في بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث فقدت بعض الأنظمة القدرة على اكتساب رضا الجماهير وبالتالي استمرارها في السلطة.

لا تستطيعُ الحكومة أن تكتسب رضا الشعب بمجرد تصريحات إنشائية ووعود لا تتحقق، فالمعاناة اليومية للفقراء ومتوسطي الدخل كفيلة بزعزعة الاستقرار الذي هو صمام الأمان لكل بلد.

و يبدو لي أن أعضاء الحكومة عندنا يتناسون أنهم لن يستطيعوا تغيير الشعب، و أن هذا الأخير قادر على تغيير الحكومات.

الاثنين 20 فبراير 2017.