ترتفع عدة أصوات حقوقية ومدنية، مترافعة عن إشكال تداخل المهام والاختصاصات، والجمع بين المسئوليات والتعويضات المالية، على مستوى مؤسساتنا المنتخبة وطنيا وجهويا ومحليا، وتعتبر ذلك مجرد امتيازات ريعية على حساب عقلنة تدبير المال العام. هل هناك مبرر قانوني أو سياسي أو اجتماعي للجمع بين مهام عمدة مدينة وبرلماني، أو عمدة مدينة ووزير؟؟ وما هي قراءتكم لهذا الإشكال في علاقته مع تدبير الموارد البشرية/ النخب السياسية الشابة داخل الأحزاب السياسية ؟ ألا يعتبر هذا المشهد تكريسا للعزوف السياسي ومعطلا للقدرات والكفاءات الشابة بالمغرب؟ هذه الأسئلة أحالتها ” أنفاس بريس ” على الأستاذ المصطفى المتوكل فمدنا بالورقة التالية:

” المعمول به عندنا وعند عدة دول هو أنه لا إشكال قانوني في الجمع بين مهام العمدة وصفة البرلماني بالغرفة الأولى أو الثانية، لأن الدستور و القانون نفسه ينظم الآليات التي ينتخب بها أعضاء الغرفة الثانية والذين يكون الناخبون والمرشحون منتخبون بالجماعات الترابية والغرف و…كما أنه لا يعتبر صفتهم الانتدابية المحلية من حالات التنافي، من هنا وإن كان القانون شرع بشكل متدرج في وضع بعض حالات التنافي من مثل عدم الجمع بين رئاستين ، فإن الأفضل أن لا يكون المرشحون للبرلمان بغرفتيه رؤساء وأعضاء بمكاتب الجماعات الترابية وكذا الغرف و…ولا إشكال أن يكونوا من المستشارين، ذلك لأن منظومة تحديد اختصاصات الرئيس وعدم التفويض في عدة قطاعات للنواب وعدم التفويض في أكثر من قطاع لنائب واحد تفرض التواجد المستمر للنواب لضمان السير السلس للمرافق الجماعية والشأن العام ..

موضوع العزوف شيء، وموضوع الإشراك في تحمل المسؤولية شيء آخر ، وهنا سأوضح معطى يثير نقاشات داخلية بالجماعات وبالأحزاب على حد سواء وهو المتعلق بدور المستشارين والمستشارات الذين ليسوا أعضاء بالمكاتب، والذين يعتبرون في وضعية انتحال صفة وخرق للقانون بمجرد قيامهم بأية مهمة خارج الدور التداولي أو بعض التكليفات المحددة موضوعا وزمنا والصادرة عن الرئيس بقرار ، من هنا السؤال المشروع لماذا لا يتم تقليص عدد المنتخبين ليكون فقط ضعف عدد أعضاء المكتب على الأكثر وهنا يمكن الاستشهاد بالنموذج الأمريكي .

إن الميثاق الجماعي سابقا والقانون التنظيمي للجماعات رغم كل التعديلات التي أدخلت عليه ما زال غير متكامل مع روح وفلسفة دور المؤسسات المنتخبة المحلية التي هي حقيقة يجب أن تكون عبارة عن حكومات محلية في علاقة بالجهوية المتقدمة / الموسعة وفي علاقة بالمؤسسات المنتخبة إقليميا وجهويا ، وفي علاقة بالمصالح الخارجية للقطاعات الحكومية ، كما أن الآليات المنظمة للمالية المحلية تحتاج إلى دفعة قوية تربط بين القدرات المحلية ومصادر التمويل المختلفة للمالية المحلية في إطار التوازنات المالية و الاستجابة للانتظارات التي تفوق الإمكانيات الترابية .

إن العزوف هو نتيجة لأن ما يحقق، لا يستجيب لانتظارات واهتمامات المواطنين بكل فئاتهم وطبقاتهم ومقارباتهم نوعا وموضوعا ، بالإضافة إلى أن هناك خلط غير سليم بين دور المؤسسات المنتخبة ودور البرلماني ودور الحكومة ، فيكون بطبيعة الحال رد فعل الشباب والعديد من المواطنين والمواطنات هو العزوف لأن المسؤول عن الفقر والبطالة وضعف العمل بالقطاعات الحكومية اجتماعيا والعزلة بالعالم القروي وتردي الخدمات ، لا يمكن في نظر العامة أن تكون إلا مؤسسات الدولة، وهنا الخطر الذي يوظف في مقولة ” أولاد عبد الواحد كلهم واحد ” ،

إن الأمية السياسية والقانونية مع الأمية المعرفية هما العائق الرئيسي أمام فهم المسؤوليات وتحديد المسؤولين والقدرة على محاسبتهم سياسيا وانتخابيا ، كذلك فالعزوف مرتبط بثقافة التبعية التي يرسخها البعض باستغلال الجهل والأمية المتعددة الأوجه والفقر والحاجة للوسطاء و” وجوه الخير والإحسان ” تشكل عائقا لتكون المشاركة مشبعة بإيمان بدور المواطن في التسيير وحرية الاختيار بشكل ديموقراطي عادل ،

أما موضوع العزوف السياسي عن الانتماء والعمل داخل الأحزاب السياسية فالأمر يتعلق بما أشرت إليه سابقا من تمييع المشهد السياسي وخلق أحزاب من عدم مكلفة بمهام وعلى رأسها كان إضعاف الأحزاب الوطنية ومنها اليسار المغربي ، وتعقد الأمر، لأن كل الأحزاب التي يعرف المتتبعون كيف تأسس البعض منها أصبحت تتحدث بخطاب روحه يسارية وبعض مضامينه ” نضالية “، وانضافت إليها هيئات أخرى تستغل الدين في تصريف قرارات سياسية أو تكريس واقع معين بسعي مكشوف لإضعاف القوى الحية وتقوية للتوجهات التي كانت تسمى رجعية وظلامية وتبريرية ،

…وللأحزاب دور لا يستهان به كذلك في العزوف السياسي منه تحويلها لخلافات داخلية طبيعية إلى صراعات علنية تعرض على الرأي العام بطرق غريبة ومتخلفة وبئيسة أساءت بشكل كبير للأحزاب التقدمية وللأحزاب الوطنية التاريخية ، وهذا يفرض عليها اعتماد مراجعات جوهرية لشؤونها الداخلية من البناء الفكري إلى الديموقراطية إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة إلى الانفتاح على المحيط والارتباط بقضايا الشعب بشكل موضوعي بحس وطني وليس مصلحي، إلى إطلاق أوراش تنويرية مستدامة تشمل كل القطاعات وكل المناطق وكل الفئات، وإلى تحقيق تواصل إعلامي ومباشر بكل الطرق القانونية الذي يقضي على الجهل السياسي والاستغلال البشع لغياب آليات الفهم السليم.”

 

عن أنفاس بريس :  أحمد فردوس
الثلاثاء 21 فبراير 2017.