لم يحدث أن تسارعت لدي الرغبة في الكتابة عن مؤلَّفٍ لم أنه قراءته بعد، كما يحدث لي الآن مع سيرة الأستاذ عبد الواحد الراضي، «»المغرب الذي عشته»«، المكتوب بفتنة الأديب الشاعر المناضل والمثقف حسن نجمي، والذي كان معرض الكتاب الذي ودعناه مناسبة لاقتنائه والحصول من صاحبه على إهداء أظلل فيه غروري بسحابة امتنان كبيرة..

أقرأه،الآن، وصاحبه في «المنعطف الـ 80 « باستحضار عنوان سيرة الكاتب الأمريكي الكبير هنري ميللر ، التي لخص فيها رأيه في الحياة والناس والأدب..
سيرة عبد الواحد تقدم رجلا سياسيا، ما زال يحتفظ بذهن يقظ ، بتفاصيل دقيقة.

عبد الواحد الراضي، ليس من طبيعة المناضلين الذين يمكن أن نقول أنه «شخص مُرّ « ، يختار الآن تصفية الحسابات، أو يسعى إلى كشف بطولة ما في السياسة الوطنية، وإن كانت البطولة تعريفا هي القدرة على الاختيار الصعب وقد مارسه، هو رجل مر بالمغرب الصعب ، كإنسان وكمثقف وكمناضل،
من دار المقري إلى القصر الملكي
يبدو مناضلا اتحاديا – دخل دهاليز الدولة اتحاديا وغادرها اتحاديا!
وتلك مخاطرة لم تنل منها إغراءات السلطة المعروضة على طبق الدولة باستمرار ..
ففواكه الدولة لا تنضب وموسمها لجني الناس مستمر دوما، فوق الطاولة أو تحتها..
لن أكتب هنا عن الجزء الذي قرأته من الكتاب ، كله، سأكتفي بالصدمة الأركيولوجية الإيجابية التي صادفتها في الصفحة 247، والمتعلقة «بميلاد العداء للديموقراطية في المغرب»!
يمكن أن نطرح السؤال مجددا:كيف يولد العداء للديموقراطية؟
كيف ولد الحزب السري؟
ونجد الجواب، بفصاحة لا تدعي التشفي
أو الرومانسية الثورية:

* تولد العداوة للديموقراطية من .. الفشل الانتخابي عند الاحتكام إلى الشعب أولا ..
هكذا تكلم الراضي عن وزراء الفديك الذين نازلوا الاتحاديين في انتخابات 1963 وخسروا :” أولئك جميعا كانوا وزراء في الحكومة، قبل الانتخابات، وترشحوا، لكنهم سقطوا في الانتخابات جميعا باستثناء اكديرة الذي كان وزيرا للداخلية ورشح نفسه في كاريان سانطرال في الدار البيضاء، وواجهه آنذاك في تلك الدائرة أخونا عمر بن جلون. اكديرة وحده الذي فاز رسميا وفشل تسعة وزراء من عشرة كان بينهم: بوطالب، السلاوي، بنهيمة، م. أحمد العلوي، أحرضان ويوسف بلعباس..، وطبعا سيتم حمل بعضهم حملا إلى مجلس المستشارين. ربما كانت »ديموقراطية« تلك المرحلة في حاجة إلى خدماتهم!
منذئذ، فقد أولئك آخر ثقة لهم في فكرة اسمها الديمقراطية…”.

هؤلاء الذين فشلوا أمام الشعب
حقدوا عليه
اعتبروه بأنه غير جدير بالديموقراطية
فكان لا بد من الرفض المطلق للديموقراطية.

كانت اللحظة التأسيسية، إذن، للعداء للديموقراطية هي الانتخابات التي جرت في الستينيات، في أول عهد الملك الراحل بالاقتراع.
وهؤلاء يقول الراضي: «أصبحوا يدركون منذ تلك اللحظة أن المغرب إذا اختار أن يكون ديموقراطيا بالفعل، لن يكون لهم مطلقا من دور يلعبونه نهائيا. ومن ثم اختاروا معسكرهم، أصبحوا من أشد المعارضين الحانقين على كل فكر ديموقراطي، وعلى كل فاعل ديموقراطي. ومن تلك الساعة، استشعرت شخصيا، من خطابهم وسلوكهم وتصريحهم وتعليقاتهم الشفوية، أنهم سيصبحون جنودا مجندين ضد أي حياة ديموقراطية في المغرب. فقد كانت صدمتهم كبيرة، أنهم ترشحوا ولم ينجحوا. ولم يعد لديهم أي أمل في أن ينجحوا يوما إذا شاركوا في انتخابات مباشرة نزيهة.
ومنذئذ، تشكلت في المغرب النواة الصلبة الأولى لما كان يسميه الروائي الإنجليزي جورج أورويل بـ «الحزب السري»!

* البرلمان نفسه، كان بالنسبة للاتحاديين، وجها آخر للمرحلة كالسجن: ومن السجن إلى البرلمان ومن البرلمان إلى السجن كانت الحياة السياسية تدور من أجل قتل الديموقراطية:بالتزوير .. والزنزانة.
بالفديكfdic
وبالفليك..flic
وأثناء المحاكمة كان عليهم أن يتنقلوا من المحكمة إلى البرلمان ومن البرلمان إلى المحكمة.. وكان عبد الرحيم يدير الحياة التشريعية للمعارضة ويدير الحياة القانونية للمعتقلين»، بعض إخواننا من أعضاء الفريق البرلماني كانوا في السجن: مولاي المهدي العلوي، محمد الحبيب الفرقاني، عباس القباج، بوشعيب الحريري (الدكالي). كما بقي المهدي بن بركة في المنفى حين أصبح اسمه مدرجا ضمن لائحة إخواننا الذين كانوا مهددين بالإعدام، وذلك في المحاكمات التي انطلقت في 22 نونبر 1963: قدم ستة وثمانون مناضلا في حالة اعتقال وأربعة عشر آخرون غيابيا.»

* لم يحسم المغرب بطاقة تعريف الذين تولوا السلطة بعد إفراغها من وطنيتها.
ولهذا لم يكن الوطن سوى شعار لإعلان المخزن بديلا والاستبداد وصفة الوطنية الجديدة ضد الوطنيين.
فما كان للديموقراطية أن تكون مع من لا يعتبر الوطنية شرطا لوجودها!
ولهذا تذكرنا حفريات الكتاب بأن الذين واجهوا المناضلين والقادة الوطنيين الديموقراطيين الذين دافعوا عن عودة الحرية والعرش في معادلة واحدة كان لهم تاريخ غير وطني، ولهذا لم يكن هناك مبرر لكي يكون لهم تاريخ ديموقراطي:!

“قلنا إن هؤلاء الناس يطلبون منا بطاقة تعريفنا، وعلينا أن نقدمها لهم بل وأن نقدم لهم، في الوقت نفسه، بطاقة تعريفهم الحقيقية.
وكنا نعرف جيدا هوياتهم واحدا واحدا، لكننا اخترنا منهم ثلاثة كانوا الأكثر وقاحة في تلاسنهم وشتائمهم وتهجماتهم.

الأول، مولاي أحمد العلوي. كنا نتذكر له موقفه سنة 1953، وذلك في أعقاب «نداء القاهرة» للزعيم علال الفاسي الذي بثه، عبر إذاعة «صوت العرب» بالقاهرة، يوم 20 غشت من تلك السنة، مباشرة بعد الإعلان عن نفي المغفور له محمد الخامس. ففي الوقت الذي يطلب الزعيم الوطني من الشعب المغربي النهوض والمقاومة دفاعا عن سلطانه الذي رفض المساومة على استقلال شعبه وسيادة بلاده، قال أحمد العلوي من باريس – في استجواب صحفي مع صحيفة لوفيغارو – إنه يتبرأ من خطاب علال الفاسي، وإن صداقة المغرب وفرنسا فوق هذه الاعتبارات!

الثاني، أحمد باحنيني. هذا الذي أصبح وزيرا أول في المغرب المستقل الذي ضحى من أجل استقلاله الشهداء والوطنيون الصادقون. ماذا فعل؟ كان على ر أس وفد استقبل باسم سكان فاس وبايع دمية الاستعمار بن عرفة، العميل الذي أرادت السلطات الاستعمارية الفرنسية أن تنصبه سلطانا للمغرب بدلا من السلطان الشرعي!
ومعروف أن ابن عرفة، لما ظن أن الأمر قد آل إليه أخذ يقوم بزيارات رسمية للمدن الكبرى، ومنها فاس التي استقبل فيها من طرف بعض الأعيان كان على رأسهم أحمد باحنيني.

أما الثالث، عبد الرحمان الخطيب – وزير الداخلية – فله حكاية أخرى. ففي أعقاب عملية المارشي سانطرال (السوق المركزية) بالدار البيضاء التي أنجزتها حركة المقاومة المسلحة ضد الوجود الاستعماري الفرنسي، وكان من أبطالها المقاوم محمد منصور (وكان حاضرا في القاعة أثناء هذه المناقشات بصفته نائبا عضوا في فريقنا البرلماني)، ذكرت جريدة «Le petit marocain» (إحدى صحف ماص الاستعمارية) أن من بين المحامين الذين سيدافعون عن المتهمين في هذه العملية كان هناك عبد الرحمان الخطيب. فما كان من الخطيب إلا الإسراع بنشر تكذيب في الجريدة نفسها يؤكد فيه بالحرف أن الجريدة أخطأت «فأنا لست مغربيا. أنا فرنسي».

هؤلاء هم الذين كانوا يحكمون، والذين كانوا في حوض السلطة الرفيع، وكانوا ينظرون للديموقراطية الوطنية ضدا في الوطنيين الديموقراطيين!

 


يتبع