حضرت بقوة هيئة الإنصاف والمصالحة إلى المعرض الدولي للكتاب طيلة الأسبوع الماضي . وشكلت من خلال مناقشات وتقييمات أو تقديم كتب أو استعراض وقائع ، اهتماما بارزا لدى الطيف الحقوقي والسياسي والثقافي… ويبدو أن مغرب الآن يستعيد هذه الهيئة وتوصياتها، لأن «اللوحة الحقوقية» تعطي إنذارات بأن هذا «الآن» راكم عددا من السلوكات التي تستهدف حقوق الإنسان، وتمس بالعديد من جوانبها ومجالاتها.

في تاريخ المغرب الحديث، شكلت هيئة الإنصاف والمصالحة تجربة متميزة بالعالم لعدة اعتبارات :

أولا لجرأتها، وثانيا للحقائق التي كشفت عنها، وثالثا للعنصر البشري الذي أطرها، وللإجماع الوطني الذي التف حولها …..و للتقارير والتوصيات التي أصدرتها . فخلال اشتغالها لما يقرب من سنتين، رسمت هذه الهيئة صورة لماضي الانتهاكات الجسيمة التي عرفها مغرب ما بعد الاستقلال . واتضح من خلال الملفات التي قدمت إليها، والمعتقلات السرية والعلنية التي زارتها، والشهادات التي استمعت إليها، والوثائق التي استطاعت الاطلاع عليها، أن ثمة سياسة ممنهجة، ذهب ضحيتها اعتقالا، واختطافا، وتعذيبا، واغتيالا، ونفيا، المئات من المواطنين، وطالت كذلك مناطق عدة ..

وأن يستعيد النقاش الوطني اليوم هيئة الإنصاف والمصالحة، ونحن على بعد عشر سنوات من إصدارها لتوصياتها، فإن الأمر لا يتعلق بالاحتفاء بإصدار، أو إبراز الأسس الفكرية والقانونية والحقوقية للتجربة ، بل إن النقاش وقف على عدة حقائق، برزت ما بعد التوصيات، ومنها:

أولا ؛ ضرورة إعمال التوصيات الصادرة من جهة . ومن جهة ثانية، ضخ جرعات من الفعالية في تلك التي تم إدراجها في تشريعات أو إجراءات …لقد كان من المؤمل، أن يشهد العقد الذي تلى الإعلان عنها، دينامية تحصِّن مغرب اليوم والغد، من الانزلاقات التي تصدر- عن قصد أو غير قصد- من طرف مسؤولين ومؤسسات ، وهي انزلاقات، وإن كانت لا تندرج في إطار السياسات العمومية للدولة، إلا أنها تمس بمصداقية المجهودات المبذولة، من أجل حماية الحقوق والنهوض بها .

ثانيا ؛ هناك ما يشبه اللامبالاة لدى المسؤولين، فيما يتعلق بقراءة وتقييم المنظمات الحقوقية لواقع حقوق الإنسان، وبالحالات التي يتم إثارتها، والمطالبة بالتحري بشأنها …
إن المجتمع المدني الحقوقي، هو العين التي ترصد مدى إعمال توصيات هيئة الإنصاف، ومدى تنفيذ الدولة لالتزاماتها. صحيح هناك بعض المدعين بأنهم حقوقيون، يزايدون -بشكل فج- أثناء تناولهم للأوضاع . لكن هناك منظمات، ومؤسسات وطنية ذات مصداقية، يتعين أخذُ تقييماتها ومطالبها بعين الاعتبار…

ثالثا ؛ إن رصيد الهيئة في سياقاتها، ومنذ إنشائها إلى صدور توصياتها، يلزم أن يكون حاضرا، بشكل بنيوي في المعاهد ذات العلاقة بالحكامة الأمنية والقضاء والجامعات … لأنه لم ينجز ليوضع بمتاحف، ولا في هوامش الدراسات، ولا أبدا للتباهي في الندوات والمؤتمرات . إن هذا الرصيد يتوجّب أن يسري في الدورات الدموية لمؤسسات الدولة، كي يغذي العقول بفكر حقوق الإنسان سلوكا وممارسة.

لكل ذلك وغيره، كانت الهيئة حاضرة بالمعرض،حضورا استوجبه واقع حقوق الإنسان في مغرب اليوم، حضورا، من أجل الدعوة إلى تحصين مغرب الغد، من كل الانتهاكات الجسيمة التي عرفها ماضيه.

الخميس 23 فبراير 2017.