كلف جلالة الملك محمد السادس الاستاذ عبد الاله بن كيران بتشكيل الحكومة، وهو قبل التكليف، كما كان متوقعا منذ اعلان نتائج انتخابات السابع من أكتوبر الماضي. والمطروح، بعد التكليف والقبول، الانكباب على تشكيلها من خلال اتباع مسطرة متعارف عليها؛ تبدأ بالمشاورات مع الاحزاب الممثلة في البرلمان، وتتطور بطرح نقاط برنامجية وتصور ما لهيكلتها عليها. غير ان الذي جرى قد انحرف تماما عن هذا المسار، ذلك ان الجدل حول من سيشارك ومن عليه البقاء خارج التركيبة الحكومية استغرق كل الجهد والوقت، على اساس مسبقات ومضمرات غير معبر عنها بوضوح؛ الأمر الذي جعل المشاورات تتخذ منحى آخر هو منحى معادلة: انت تريد فرض الاحزاب التي ترغب فيها، دون تقديم مبررات مقنعة، والأحزاب الاخرى رأت ان عليها تذكيرك بأنها احزاب مستقلة وذات إرادة، ولها تصورها للحكومة التي ترغب في المشاركة فيها، والدستور يسمح لها بهذا كما يفرض عليك البحث عن اغلبية تحكم وتحظى بمساندة البرلمان وكل هذا خاضع للمشاورات وليس للاملاءات.

فماذا ستختار؟ هل تنظر الى هذه المسألة بعين من يقرأ الواقع السياسي كما هو، ويستنتج منه ما هو قابل للحياة؟ ام تخرج المسألة من هذه الدائرة لتقحمها في دائرة المشاعر والعواطف الشخصية التي تبعد عن العمل السياسي المفترض في سلوك الاحزاب الناضجة؟.

يبدو ان العدالة والتنمية انطلق من مسبقات بعينها، وهي ان احتلال المرتبة الاولى تعني تفويضا شعبيا له دون غيره، ليس لتشكيل الحكومة الجديدة ورئاستها في حال نجاح الرئيس المكلف في ذلك فحسب، وانما ايضا للتحكم في هندستها من ألفها الى يائها الذي ينقله، عمليا، من موقع الحزب الاول، الى الحزب الأغلبي الذي يتصرف على اساسه، وهو لا يمثله، من خلال الأرقام التي لن يجادل في حقيقتها احد.
غير ان المسار اتخذ هذا الاتجاه بشكل إرادي او غير إرادي. وهو امر يحتمل عددا من فرضيات الانطلاق لدى العدالة والتنمية من جهة، ولدى الاحزاب التي شكلت مجموعة تنسق خطواتها في المشاورات مع الاستاذ بن كيران من جهة اخرى.

الفرضية الأولى، ان حزب العدالة والتنمية قرر، منذ البداية، اتباع اُسلوب يؤدي الى عرقلة تشكيل الحكومة، وهذا ما يفسر، دعما لهذه الفرضية، الخرجات الإعلامية الحادة لقادته تجاه عدد من الاحزاب السياسية قصد الدفع بها الى ردود افعال من جنس تلك الخرجات الحادة، وربما اكثر تشنجا منها، فيتم تحميلها مسؤولية عرقلة مسار تشكيل الحكومة وتبرير استبعادها من التشكيلة المقبلة.
ولعل من بين رهانات هذه الفرضية انتظار موقف يدعمها من قبل حزب الاصالة والمعاصرة، كإعلان منه الاستعداد لتشكيل الحكومة بديلا ممكنا عن العدالة والتنمية،. وهذا ما لم يتم، لكن هذا لم يدفعه الى الإقلاع عن هذا الرهان وإن بشكل آخر، لم يخرج عن صميم الصراع خلال الحملة الانتخابية وقبلها؛ وهو ان من يحرك خيوط اللعبة ويتحكم في سلوك الاحزاب السياسية الاخرى، هو الاصالة والمعاصرة، وهو ما اعتقد بن كيران ان تقرير حميد شباط عن “اجتماع الثامن من أكتوبر” بين عدد من الاحزاب يعطي الدليل على نية مبيتة لافشال مهمته. لكن هذا لم يترافق مع ما يؤيده على ارض الواقع على اعتبار ان الاحزاب الاخرى لم تنازع الاستاذ بنكيران شرعية العمل على تشكيل الحكومة، وانما تؤكد ان هذه المهمة تفترض التعامل معها كأحزاب شريكة، وليس كأحزاب تستدعى، او لا تستدعى، وفق إرادة الحزب ذي المرتبة الاولى في الانتخابات. والفرق بين التأويل الاول ومنطوق ومفهوم الموقف الثاني كبير لا يستقيم معه التأويل في نهاية الامر.

الفرضية الثانية، ان نوعا من الارتباك في تدبير المرحلة قد طرأ لدى العدالة والتنمية عندما رأى ان الأحرار المعول عليهم في تشكيل الأغلبية رفضوا العمل الى جانب الاستقلال، وبالتالي، حاول ان يرد على هذا الشرط بشرط آخر هو رفض العمل مع الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية، غير ان تحرك الرباعي ( بإضافة الاتحاد الدستوري) من جهة، وتطورات الوضع الاستقلالي من جهة اخرى، أربك هذا الحساب، فحاول ان يتخذ اسلوبا اخر في التفاوض يقوم على تفكيك التنسيق الرباعي كحد ادنى لا ستبعاد الاتحاد الاشتراكي من التشكيلة الحكومية معتبرا ان فوز هذا الاخير برئاسة مجلس النواب هو تنازل كاف يقدمه مقابل ابقاء الاتحاد خارج الحكومة، على الأقل في الوضع الحالي على ان يلتحق بها ربما، بعد مدة زمنية كما صرح بذلك السيد عزيز الرباح وغيره من قادة العدالة والتنمية

الفرضية الثالثة وهي على شكل سؤال: هل الهدف هو الدفع نحو حل البرلمان وإجراء انتخابات تشريعية جديدة؟ ومن يضمن لنفسه الأغلبية المريحة في ظل القانون الانتخابي الحالي؟ وكيف سيكون عليه المشهد اذا تراجعت نسبة المشاركة في الانتخابات الى مستويات ادنى مما كانت عليه؟ وهذا ما يمكن ان ينجم عن مثل هذا البلوكاج الذي كرس لدى فئات واسعة من المواطنين فكرة ان الاحزاب لا تهمها مصالح الشعب أصلا؟ وبالتالي، فان المشهد الذي قدمته من خلال صراعاتها حول تشكيل الحكومة والاتهامات المتبادلة بينها تؤكد عدم جدوى الانتخابات أصلا؟
وماذا لو تغيرت التراتبية الحزبية على قاعدة نتائج الانتخابات الجديدة لو تم تنظيمها؟

الفرضية الرابعة، هل الهدف هو فرض امر واقع يقوم على تأويل العدالة والتنمية لموازين القوى وميل الدولة الى تجنب كل ما يمكن ان يكون سببا في بلبلة الوضع العام والاستقرار في البلاد، وبالتالي، فانها قد تتدخل لحل المشكلة بما يرضي العدالة والتنمية؟ لكن اي صيغة ترضي الحزب في حالة الصراع وارتفاع السقف التفاوضي لفرقاء الحياة السياسية في البلاد وخاصة ان السيد الحبيب المالكي هو رئيس البرلمان الحالي؟ فهل يمكن تشكيل أغلبية حكومية مخالفة للاغلبية البرلمانية التي أتت بالاتحاد الاشتراكي الى رئاسة المؤسسة التشريعية؟ وهل يقبل هذا الاخير بهذا المنصب ليلتحق بالقوى الداعمة للاغلبية التي يرغب السيد بن كيران في تشكيلها من موقع المساندة في البرلمان؟ وكيف سيتصرف الحزب وهو خارج التركيبة الحكومية تجاه مختلف القضايا الاجتماعية والمطلبية التي يعترف الجميع انها على درجة كبيرة من الاستعجال وربما الحدة؟ والى اي حد يستقيم معه القيام بدور المساند داخل البرلمان والمعارض خارج الحكومة؟

يتحدث البعض عن ثغرات في الدستور بحيث لم يتنبأ بمواجهة مثل هذا الواقع، ولم يفصل في امر ما بعد الفشل الممكن لأي رئيس حكومة معين في تشكيل الحكومة . غير ان هذا الواقع لا يعني استعصاء دستوريا غير قابل للتجاوز انطلاقا من صلاحيات ملك البلاد الدستورية في مجال ضمان السير العادي لمؤسسات الدولة.
وعليه فإن مفتاح هذه المسألة مرتبط بتقدير الملك لما يخدم المصلحة العليا للبلاد. لكنه تقدير بعدي بالنسبة لمصير مشاورات رئيس الحكومة المعين وليس قبليا بالنسبة اليه.
وهنا لكل حادث حديث كما يقال.

 

نشر بها الاربعاء 22 فبراير 2017.