تكون‭ ‬الكتب،‭ ‬أيضا‭ ‬مرآة‭ ‬لقدرتنا‭ ‬على‭ ‬الدهشة‮!‬
ذلك‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬مع‭ ‬كتاب‭ ‬الزميل‭ ‬سعيد‭ ‬عاهد‭ ‬حول‭ ‬‮«‬الجريمة‭ ‬والعقاب‭ ‬في‭ ‬العهد‭ ‬السعدي‭ ‬‮…‬مغرب‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‮«.‬
‭ ‬والاندهاش‭ ‬هنا‭ ‬مرده‭ ‬الجواب‭ ‬الفيزيولوجي‭ ‬والمعرفي‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬الممكن‭ ‬‮:‬كم‭ ‬ابتعدنا‭ ‬عن‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬ونحن‭ ‬نودع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين؟‮..‬
لم‭ ‬يقدم‭ ‬عاهد‭ ‬جوابا‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬أطرحه،‭ ‬بل‭ ‬غامر،‭ ‬كصحافي،‭ ‬بتنضيد‭ ‬الوحشية‭ ‬في‭ ‬الورق‭ ‬الذي‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬ممارسات‭ ‬القرون‭ ‬البائدة‮.‬
وكما‭ ‬قلت‭ ‬أثناء‭ ‬تقديمه‭ ‬في‭ ‬ابن‭ ‬سليمان،‭ ‬ذات‭ ‬سبت‭ ‬من‭ ‬الشهر‭ ‬الذي‭ ‬ودعناه،‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬كان‭ ‬التاريخ،‭ ‬كما‭ ‬عرفته‭ ‬مع‭ ‬عاهد‭ ‬سعيد،‭ ‬فضولا‭ ‬صحافيا،‭ ‬لأنه‭ ‬كان،‭ ‬أولا،‭ ‬امتحانا‭ ‬عصيا‭ ‬في‭ ‬مغرب‭ ‬التسعينيات‮.‬‭ ‬ولأنه‭ ‬ثانيا،‭ ‬كان‭ ‬قريبا‮.‬‭ ‬وبالواضح،‭ ‬فهو‭ ‬شغفه‭ ‬حب‭ ‬التاريخ،‭ ‬كطريقة‭ ‬ليعرف‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يعد‭ ‬سرا‭ ‬من‭ ‬أسرار‭ ‬المغرب‭ ‬الحديث،‭ ‬مكتوبا،‭ ‬في‭ ‬الغائب‭ ‬بعقد‭ ‬أوتوبيوغرافي‮.‬
كانت‭ ‬قصة‭ ‬أوفقير‭ ‬تملأ‭ ‬العالم‭ ‬السياسي‭ ‬والإعلامي‭ ‬
وكانت‭ ‬قصة‭ ‬زوجته،‭ ‬وكانت‭ ‬قفاطين‭ ‬نساء‭ ‬الحريم،‭ ‬بتفصيلات‭ ‬يهودية،‭ ‬لألبير‭ ‬ساسون‭ ‬وخياطي‭ ‬السلطان،‭ ‬ثم‭ ‬كانت‭ ‬سيرة‭ ‬‮«‬الفتّان‮»‬‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬‮..‬
2013
‭ ‬في‭ ‬المتابعة‭ ‬الأولى،‭ ‬كان‭ ‬الشغف‭ ‬الصحفي‭ ‬ينقل‭ ‬صاحبه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سيصبح‭ ‬تعاقدا‭ ‬بلاغيا،‭ ‬النقل‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الفاعلين‭ ‬السياسيين،‮…‬‭ ‬كان‭ ‬تجربة‭ ‬صحفية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬القريب،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الإغراء‭ ‬بتجربة‭ ‬أعمق‭ ‬نحو‮…‬‭ ‬الأعمق‭ ‬أي‭ ‬تاريخ‭ ‬الدولة‭ ‬العلوية‭ ‬الأولى‮..‬‭ ‬قبل‭ ‬الاستعمار‭ ‬بالذات‮!‬
‭ ‬إن‭ ‬الشغف‭ ‬قاده‭ ‬من‭ ‬الحاضر‭ ‬إلى‭ ‬الماضي،‭ ‬أي‭ ‬قاده‭ ‬من‭ ‬الحداثة،‭ ‬كما‭ ‬تمثلها‭ ‬الصحافة،‭ ‬إلى‭ ‬التراث،‭ ‬كما‭ ‬يمثله‭ ‬التاريخ‮.‬
‭ ‬وفي‭ ‬تلافيف‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬الجسد‭ ‬كوثيقة‭ ‬أو‭ ‬كوشم‭ ‬تاريخي،‭ ‬يُظهر،‭ ‬النسغ‭ ‬السري‭ ‬للمشيمة‭ ‬التي‭ ‬تربطه‭ ‬بالخطيبي‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬أركيولوجيا‭ ‬الجسد‭ ‬وطبقاته‭ ‬كما‭ ‬راكبتها‭ ‬الدول‭ ‬‮-‬‭ ‬الدولة‮.‬
كل‭ ‬كتابة،‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬امتدادا‭ ‬للجسد،‭ ‬وكل‭ ‬وفاء‭ ‬لهذا‭ ‬العنفوان‭ ‬الجسدي‭ ‬يفضح‭ ‬جودة‭ ‬النص‭ ‬ومما‭ ‬يعقد‭ ‬الأشياء‭ ‬عند‭ ‬اكتشاف‭ ‬مع‭ ‬الجسد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬لا‭ ‬يفعل‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يريد،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬موضوع‭ ‬تنكيل‮…‬
‭ ‬ألمْ‭ ‬يقل‭ ‬‮«‬رولان‭ ‬بارت‮»..‬‭ ‬إن‭ ‬جسدي‭ ‬اختار‭ ‬غيري‮.‬
‭ ‬2‭- ‬موكب‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬يتبع‭ ‬الجسد‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬تاريخ‭ ‬مكتوب‭ ‬بغير‭ ‬روح‭ ‬المنتصر‮!‬‭ ‬فهو‭ ‬إما‭ ‬صاعد‭ ‬من‭ ‬المسكوت‭ ‬عنه،‭ ‬وإما‭ ‬مكتوب‭ ‬بعين‭ ‬الأجنبي‭ ‬الذي‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬الغرابة‭ ‬أو‭ ‬المباشرة‭ ‬بالوصف‭ ‬المونوغرافي‮.‬
كل‭ ‬ما‭ ‬يكتب‭ ‬عنه،‭ ‬صار‭ ‬بالضرورة‭ ‬انشقاقيا‭ ‬‮.‬
‭ ‬3‭- ‬التاريخ‭ ‬أيضا،‭ ‬مغارة‭ ‬شعرية،‭ ‬تمر‭ ‬منه‭ ‬الصور‭ ‬عبر‭ ‬تمحيص‭ ‬التاريخ‭ ‬والوقائع‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬في‭ ‬القصيدة‭ ‬الحديثة‮.‬
هنا‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الوشم‭ ‬‮/‬‭ ‬الخطي‭ ‬يعود‭ ‬التراجيدي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نشعر‭ ‬به‭ ‬واضحا‭ ‬بكثافة‭ ‬أقل‭ ‬‮.‬‭ ‬لكنه‭ ‬يكشف‭ ‬الهوية‭ ‬والجسد‭ ‬في‭ ‬نصوص‭ ‬كثيرة‮.‬
‭ ‬وكتاب‭ ‬التعذيب‮.‬
يتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الفقيه‭ ‬و‭ ‬الجلاد
كما‭ ‬يتقاطع‭ ‬القاضي‭ ‬والضحية
فوكو‭ ‬مع‭ ‬ليون‭ ‬الإفريقي‮..‬‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الأصل،‭ ‬لعبة‭ ‬صحافية‭ ‬مع‭ ‬الإسباني‭ ‬فرناندو‭ ‬رودريغيت‭ ‬موديانو‮.‬
يقول‭ ‬عاهد‭ ‬سعيد‮:«‬حين‭ ‬اطلعت‭ ‬على‭ ‬مقال‭ ‬الباحث‭ ‬فرناندو‭ ‬رودريغيس‭ ‬موديانو‭ ‬حول‭ ‬العدالة،‭ ‬الجريمة،‭ ‬والعقاب‭ ‬،‭ ‬تولدت‭ ‬لدي‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬تعريبه‭ ‬لما‭ ‬يزخر‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬معطيات‭ ‬وتحليل‭ ‬لظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬مارسته‭ ‬الدولة‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬معينة‭ : ‬الدولة‭ ‬السعدية‮.‬
ويتضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المراجع،‭ ‬صفحتان‭ ‬ونصف‭ ‬بالعربية‭ ‬وما‭ ‬يعادلها‭ ‬بالفرنسية،‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بدأ‭ ‬بغواية‭ ‬صحفية‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬مبحث‭ ‬جليل‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬التاريخ‭ ‬المنسي،‭ ‬الموزع‭ ‬في‭ ‬مظانه‭ ‬وبطونه‭ ‬وبحوره‭ ‬للهو‭ ‬الجسدي‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬للاختطاف‭ ‬ويتم‭ ‬استنطاقه‭ ‬وإذلاله‭ ‬قبل‭ ‬وبعد‭ ‬الموت‮…‬‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬التمثيل‭ ‬بالجسد‭ ‬السياسي‭ ‬بعنف‭ ‬وهو‭ ‬عنف‭ ‬يتوسل‭ ‬الإذلال،‭ ‬والوحشية،‭ ‬والتطهير‭ ‬والتنكيل،‭ ‬ولا‭ ‬يسلم‭ ‬منه‭ ‬أحد،‭ ‬بحيث‭ ‬يمس‭ ‬الملوك‭ ‬والأتباع‭ ‬‮(‬مولاي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬الشيخ‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أحمد‭ ‬منصور‮)‬،‭ ‬كما‭ ‬يمس‭ ‬المعارضين‭ ‬‮..‬
كان‭ ‬لافتا‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬العودة‭ ‬المحمومة‭ ‬إلى‭ ‬الحاضر،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسئلة،‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيصها‭ ‬بالسؤال‭ ‬الذي‭ ‬طرحناه‭ ‬في‭ ‬البداية:بكم‭ ‬مسافة‭ ‬ابتعدنا‭ ‬عن‭ ‬وحشية‭ ‬الدولة‭ ‬السعدية؟
ونحن‭ ‬نرنو‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬معتقلات‭ ‬التنكيل‭ ‬والاضطهاد‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬القرن‭ ‬20،‭ ‬في‭ ‬تازمامارت‭ ‬وغيرها‭ ‬مثلا‮..‬
وهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نحتضن‭ ‬تراثا،‭ ‬بهذه‭ ‬القساوة‭ ‬بدون‭ ‬بتره‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يساعد‭ ‬الجلاد‭ ‬إلى‭ ‬العودة،‭ ‬باسم‭ ‬الفقيه‭ ‬أو‭ ‬القاضي‭ ‬أو‭ ‬باسم‭ ‬تعريف‭ ‬جديد‭ ‬للدولة؟‮..‬
أسئلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الفرار‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‮…‬
‭ ‬لكي‭ ‬نكون‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الوجه‭ ‬الكريه‭ ‬فينا،‭ ‬يلزمنا‭ ‬قسط‭ ‬وافر‭ ‬من‭ ‬الدهشة‮..‬
والاستغراب:هل‭ ‬كنا‭ ‬فعلا‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الوحشية،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أننا،‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬والكتاب‭ ‬منذورون‭ ‬للجنة؟؟؟؟

 

الاحد 26 فبراير 2017.