منذ وقوع الحادث المأساوي، الذي ذهب ضحيته بائع السمك محسن فكري يوم 28 أكتوبر 2016،  في مشهد فظيع داخل شاحنة لشفط الأزبال، تناقله على نطاق واسع عدد كبير من وسائل الإعلام الوطنية والدولية ومواقع التواصل الاجتماعي، والاحتجاجات تتعاظم ككرة ثلج بمدينة الحسيمة ومختلف جهات منطقة الريف.

     ذلك أنه في رد فعل عفوي تضامني مع روح الهالك وأسرته المكلومة، انطلقت احتجاجات تطالب بتحقيق قضائي نزيه وتقديم الجناة للمحاكمة. ثم تلاها خروج مسيرات شعبية حاشدة، شاركت فيها جموع غفيرة من مختلف الفئات العمرية والطبقات الاجتماعية، سواء أثناء تشييع جثمان “المقتول” إلى مثواه الأخير بمدينة إمزورن مشيا على الأقدام، أو خلال الاعتصامات الليلية بالشموع. وقد أظهرت المسيرات والاحتجاجات السلمية المنددة بالفعل الإجرامي الشنيع، إلى أي حد استطاعت اللجن التنظيمية التعبير عن وعيها ونضجها من خلال التحلي بروح المسؤولية في إشاعة النظام والانضباط بين المحتجين، بهدف الحفاظ على النظام العام وأمن وسلامة المواطنين وحماية الممتلكات. مما جعل الحراك يكتسي طابعا حضاريا، ويحظى بإشادة المهتمين والحقوقيين والإعلاميين في الداخل والخارج…

     ومع توالي الأيام، بدأت الأجواء تعرف تنامي الاحتقان الشعبي في جل جهات المنطقة، لتتحول الاحتجاجات إلى مظاهرات شعبية عارمة، ليس فقط للتنديد والشجب بما يتعرض إليه المواطنون من انتهاكات يومية على أيدي بعض المسؤولين من منعدمي الضمائر، الذين ما فتئوا يبسطون نفوذهم ويعيثون في الأرض فسادا دون حسيب ولا رقيب، بل كذلك للمطالبة بتحسين الخدمات الأساسية المتمثلة في التعليم والصحة والشغل والسكن…

     وفي الوقت الذي كان يفترض أن تبادر السلطات إلى تهدئة الأوضاع وفتح حوار جاد مع ممثلي المتظاهرين، آثرت الاستمرار في التعنت والاستخفاف بمطالبهم المشروعة. لتلبث جذوة الحراك ملتهبة أزيد من خمسة شهور. مما جعل المسؤولين يشعرون بانزعاج شديد، وتحسبا لأي تطورات محتملة تم إنزال أمني كثيف، لتطويق المظاهرات وتفريق المواطنين كلما دعت الضرورة إلى ذلك. وحين تم تجييش مجموعة من الأشخاص ضد المحتجين لترهيبهم وإضعاف مسيراتهم، ارتفع منسوب الغضب حتى في صفوف التلاميذ بمدينة إمزورن، مما ساهم بقسط وافر في إقلاق راحة المواطنين الأبرياء وانتهى بإضرام النار في مخفر للشرطة. كما حدثت مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والقوى الأمنية، استدعت تدخل قوى مكافحة الشغب، دون أن تستطيع الحد من خطورة الصدامات التي خلفت إصابة حوالي 200 شخصا من رجال الأمن، واعتقال عدد من النشطاء…

     ولعله من المضحك المبكي أن نجد دوما في مثل هذه الأحداث، من يسارع كلما اندلعت احتجاجات شعبية ذات مطالب اجتماعية وحقوقية مشروعة، إلى الادعاء بأن الأمور لا تعدو أن تكون مؤامرة لزعزعة الأمن والاستقرار، وفي حالة الحسيمة يروم الواقفون خلفها إطالة عمر الفتنة والدفع في اتجاه تسييس مطالب المتظاهرين وإثارة النزعة الانفصالية في صفوفهم، وتزويد بعضهم بالمال لمواصلة الاحتجاجات وتنظيم المسيرات والاعتصامات.

     صحيح أن هناك من يستغل رواسب الماضي ويسعى إلى زرع بذور الحقد والكراهية ضد الدولة، وترسيخ فكرة الانفصال في أذهان اليائسين والمتذمرين من السياسات العمومية، ممن يشعرون بالظلم والقهر والتهميش والإقصاء، وتحريضهم على تخريب الممتلكات واستهداف قوات الأمن. لكن الحقيقة التي لا يمكن حجبها، هي أن الريفيين الأحرار المعتزين بوطنيتهم لا يمكنهم الانسياق وراء المغرضين، فمطالبهم لا تكاد تختلف عن مطالب باقي أبناء الشعب بكافة المناطق والمدن المغربية، حراكهم السلمي لن يكون أبدا دعوة إلى الانفصال وخلق “جمهورية ريفية”، كما يروج لذلك معتوهون من الراغبين في تفكيك لحمة الوطن، عبر نشر الأكاذيب وترهيب السكان الآمنين…

     فالحراك مرتبط فقط بأسباب سوسيواقتصادية، ولم يكن في نية المتظاهرين عدا المطالبة بمعاقبة المتسببين في مقتل “شهيد الحكرة” محسن فكري، قبل أن يجدوا الفرصة مواتية للانتفاضة ضد أوضاعهم المتردية. بيد أنه عوض أن تبادر السلطات إلى نزع فتيل التوتر والتذمر، والتعامل مع المحتجين بمرونة ووفق ما تقتضية دقة المرحلة من حكمة وتبصر، وعدم ترك الفراغ أمام المتربصين ودعاة الفرقة، واتخاذ تدابير عاجلة لامتصاص الغضب وطمأنة الساكنة، كوضع آليات لمواجهة الكوارث الطبيعية وإلغاء ظهير عام 1958 القاضي بعسكرة المنطقة… والتجاوب مع النشطاء الذين أعدوا ملفا مطلبيا واضحا، أبرزوا فيه حاجة المنطقة الملحة إلى مشاريع تنموية حقيقية، تنعكس آثارها الإيجابية على السكان، من قبيل البنى التحتية وتوفير مناصب الشغل للعاطلين، تشييد مراكز صحية ومؤسسات تعليمية، ومعالجة الاختلالات القائمة ومحاربة الفساد، فضلت كعادتها الهروب إلى الأمام والتواري خلف سيل الإعفاءات، الذي جرف عددا كبيرا من مسؤولي المنطقة، في انتظار عودة الهدوء…

     وإزاء تفشي الفساد والاستبداد وبلوغ المواطنين أعلى درجات اليأس والاحتقان، باتت مدننا مرشحة للانفجار، الذي لن تمنع من حدوثه المسكنات والوعود الكاذبة. فالمسؤولية تقع على عاتق الدولة وبعض النخب السياسية في ما آلت إليه الأوضاع من ترد، جراء سوء التدبير ونهب وتبديد المال العام، واتساع رقعة الفقر والهشاشة وارتفاع نسبة الأمية والبطالة وتعميق التفاوتات الاجتماعية والمجالية. ومن العار أن يعرف المغرب تطورا ملموسا، ويظل الملك يقود وحده ثورة التنمية، دون أن يواكب ذلك توزيع عادل للثروة بين فئات الشعب. لذا يقتضي الحفاظ على استقرار البلاد، ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتعجيل بإيجاد الحلول الناجعة للمشاكل المطروحة بحدة، قصد تأمين العيش الكريم للمواطنين وتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية.

 

الاحد 02 ابريل 2017.