لست من الذين يستهويهم العوم في مسابيح الآخرين، ولا الخوض في ما يشبه نقاشا تعزوه أبسط شروط الجدية وقواعد الحوار ا الديمقراطي الخلاق. طبعا، لا يحق لي ولا لغيري أن يبخس حق الناس في التعبير عن الرأي، بما في ذلك حق نقد الاتحاد الاشتراكي أو غيره من الأحزاب، على اعتبار انه حق مشروع بل واجب ديمقراطي تقتضيه الممارسة الديمقراطية. لكن ما يؤلم هو أن يتجاوز بعض الناس، ومنهم من اعتبرناهم دوما حلفاء استراتيجيين ورفاق درب لم ينته وابناء اسرة واحدة، عتبة النقد، لصب جام احقادهم على الاتحاد وقيادته دون غيره من الأحزاب. من المؤسف أن لا يبقى لهؤلاء من معين سوى قاموس الحطيئة وجرير وصنوه الفرزدق، وفي ذلك دليل على خواء فكري وبؤس سياسي وعجز عن الفعل الايجابي. ألم يقل فولتير:»السخرية من الغير عجز عن الفعل». في الواقع لم احفل بشتائم كتائب البجيدي وكبيرهم بوعشرين، لأنها من صلب تفكير دهاقنتهم التكفيريين، ومن معين نفسيتهم الجماعية المريضة التي لم ترحم رئيس مجلسهم الوطني، الذي رجح المصلحة الوطنية على مصلحة الجماعة، والتوافق السياسي على تأجيج العداوة والبغضاء، واختار تحكيم العقل على نص البلاغ، وتمرد على خطوط في لون الدم. نعم، لم احفل بأضاليل هؤلاء كما لم التفت لفذلكات المبتدئين في السياسة الذين جعلوا من «الصدفة» قبة ولعبة لملا الفراغ الذهني الذي يعانون منه، والذي يعد مبررا كافيا لطفوليتهم «اليسارية». ما حز في نفسي ان تتهاوى أقلام طالما شغفنا بكتاباتها القيمة وتحليلاتها النيرة إلى درك السباب والتأويل المغرض والقراءة المبتذلة  (بكسر الذابل المعجمة) لكل موقف أو رأي أو سلوك من قبل الاتحاد أو أحد مسؤوليه…لهؤلاء الرفاق والرفيقات، لهؤلاء الأخوات والاخوة، وجب التذكير بما يلي:

– أن الاتحاد كيان سياسي قائم الذات، له مؤسساته الشرعية والمشروعة تاريخيا ونضاليا وديمقراطيا.  للاتحاد اختيارات ثابتة وخط سياسي تعمل قيادته على تصريفه وفق متغيرات الحياة السياسة وبناء على تقدير سياسي لمصلحة الوطن والمجتمع في ظل موازين قوى واقعية. وهذا حقه الطبيعي غير القابل للمصادرة، ويمارسه بثقة في الذات وفي المستقبل. ولكل الأحزاب نفس الحق، والا لا معنى للتعددية السياسية بما فيها التعددية الحزبية.

– الانتماء المشترك للأسرة اليسارية هو انتماء لمرجعية كانت منذ البدء قابلة لتأويلات واجتهادات شتى أفضت إلى تعددية يسارية لا حصر لها في كل التجارب منذ الثورة البلشفية إلى الآن. لم يتفق الماركسيون والشيوعيون  والاشتراكيون يوما على قراءة واحدة للفكر الاشتراكي،  ولم يطبق الحاكمون منهم نفس النموذج في الحكم كما في الاقتصاد. وكذلك شان الإسلاميين والليبراليين وكل العالمين. طبعا لم تسلم تجربة اليسار المغربي من خلافات نظرية وعملية اتجاه مختلف القضايا الجوهرية والفرعية،وفي مقدمتها السبيل إلى التغيير: إصلاح ام ثورة؟ نضال ديمقراطي طويل الأمد ام ثورة نشعلها في الجبال؟ لم تمهل التجربة التاريخية أصحاب الجملة الثورية طويلا لمراجعة الذات والالتحاق، بكثير من التردد والإنتهازية اليسراوية احيانا، بميدان العمل الديمقراطي الذي دشنه الاتحاد منذ تأسيسه وكرسه المؤتمر الاستثنائي اختيارا ثابتا لا رجعة فيه. لا يلزم الاتحاد غيره من فصائل اليسار بتبني نفس الخط السياسي الذي يتبناه، ولا يحاسب أحدا على اختياراته ومواقفه،ولا نرى غضاضة في الاختلاف، ولا نطلب في ذات الوقت نصحا من أحد كما لا نسمح لأنفسنا بممارسة الوصاية على غيرنا.

– عطفا على ما سبق، أذكر بني اليسار الذين أخرجوا الاتحاد من ملتهم، وشرع بعضهم في الإعداد لدفنه، والاستعداد لتوزيع تركته، أن الاتحاد اكثر من حزب وأقوى من تنظيم سياسي عابر. الاتحاد توجه فكري وقوة اجتماعية وفلسفة في الحياة، أسهم عميقا في تشكل المغرب الراهن. قد يخطيء الاتحاد وقد يضعف، لكنه لن يموت. الاتحاد سنديانة قادرة على مقاومة قحط السنوات العجاف وفؤوس الحطابين الجائرين، برانيين كانوا أم من أهل الدار.

– عفوا أيها الرفاق الحيارى وكذلك الاخوة على هذا القوس العاطفي، ولنعد إلى الحديث في السياسة التي هي في ذاتها تدافع وتنافس وصراع بقدر ما هي حوار وتفاوض وتسويات، وفق خطين متداخلين غير متوازيين. فما هي مؤاخذاتكم على الاتحاد؟

حسب فهمي المتواضع، مؤاخذاتكم كثيرة، وهي قابلة للتكاثر تكاثر القمل في رأس اليتيم، وما هي في الحقيقة سوى نسخ متواتر للتهمة الأصل والخطيئة الأولى التي ارتكبها حسب عقيدتكم الاتحاد ذات مؤتمر استثنائي حينما تخلى عن الخط الثوري. هي الخطيئة التي تفرعت عنها كل الخطايا. ان اقتنعتم أن الاتحاد خان القضية واجهض الثورة، أليس الأجدر بكم أن تغضوا الطرف عنه وتصعدوا الجبال بدل السير على خطاه  عبر الأبواب الخلفية. لم شاركتم في الانتخابات في ظل دستور لا يستجيب لشروطكم؟ لم هرولتم بلا تحفظ لنيل عضوية مؤسسات دستورية حقوقية وثقافية من إبداع حكومة التناوب؟

بصراحة لا أجد تفسيرا لتفاعلكم  مع الاتحاد سوى اللجوء لعبارة طالما رددها استاذي في علم النفس المرضي بلكنة لبنانية حلوة: « ما بدو يأكل تفاحتو، ما بدو يخليها» تفسيرا للفصام الذهني. حالتكم أقرب إلى الفصام: تريدون الاتحاد ولا تريدونه، تغارون عليه وتتلذذون بانكساراته وبالسعي لتدميره. تريدون الاتحاد على الصورة التي ترغبون أن يكون عليها، تريدون أن يتبنى الاتحاد مواقفكم وآراءكم واستراتيجيات عملكم حتى ينال رضاكم. ياله من منطق غريب ينم عن نرجسية ما بعدها نرجسية،ويجسد أعتى أشكال الاستبداد

أيها الرفاق، اصدقائي المشاغبين…

صدقوني اني استمتع أحيانا باحكامكم الجاهزة وأحيانا بتفاهة مواقفكم من الاتحاد وقيادته: انبطاح،خيانة، موت،نهاية، عار، خدام الدولة، ناهيك عن تتبع سخيف لحركات الكاتب الأول وسكناته، في بحث منهك عن زلة لسان أو انهيار صدفة. ويحاول « العاقلون» منكم الفصل بين الحزب وكاتبه الأول. بالله عليكم :ما سر هذا الانحطاط في الخطاب وفي التعامل؟ اهي غيرة مرضية على حبيب صد وخان حسب رايكم؟ ام رغبة في قتل اب تطمعون في ميراثه ؟ ولتعلموا  رحمكم الله، في اليسار وفي اليمين، أن الاتحاد قادر على تدبير شأنه وصياغة قراراته المستقلة واختيار حلفائه وتقويم ممارساته واختيار قيادته،وهو سائر إلى مؤتمره العاشر،بثقة عالية في النفس ورؤية متفائلة للمستقبل، غايتنا بناء مجتمع حديث، متقدم، ودولة ديمقراطية عصرية. ولتعلموا اننا لا نميز بين الحزب وقيادته وان من يسيء لقيادة حزبنا هو مسيء في البداية والنهاية للاتحاد الاشتراكي… ومهما يكن فإننا سنبقى دوما مصرين على صيانة المشترك مع كل قوى اليسار الذي نشاطره تاريخا نضاليا مجددا وقيما فلسفية سامية ووطنا غاليا…

اكادير الاثنين 03 أبريل 2017.