مرت قرابة ثلاث سنوات على هذا المقال، ويتضح من إعادة قراءته ألا شيء جديد في الجدول اليومي للشرق، سوى ما كتبته يد القتل منذ عقود…، ومن يريد أن يعرف كم من سنة تفصلنا عن الجاهلية يقرأ سطور الأقباط في مصر:دم يطرد آخر على مشارف المطهر الكنسي!
به يجددوا الأحقاد ضد المسيح
وضد أبنائه..
أقرأ بجنون صدق المأساة..

أقرأ بجنون شهية التعاسة في بلاد مفتوحة لكل أسماء الله في قلوب أنبيائه..وسيظلون يقتلون مؤمنيه حتى ولو أخذهم إلى حظيرته المقدسة..
»…في جدول الأعمال الفوري، لما بعد ثورات الربيع العربي، كان واضحاً أن بند حرية المعتقد يشكل اختباراً حقيقياً لهوامش الحرية في هذا الامتداد القاحل، المأهول بالسراب التاريخي والصحراء الديكتاتورية. نجحت تونس في هذا الاختبار، بشكل يحسب لإسلامييها في حركة النهضة، كونهم لم يعارضوه بالقوة المتوقعة، كما يحسب لنخبتها العلمانية والحداثية واليسارية، لأنها استطاعت أن تجد في نفسها شريكاً قادراً على صناعة مشتركٍ سياسيٍّ ودستوري مع أعدائها الأيديولوجيين. وما زالت تونس تدفع الثمن لاحتضانها هذا المبدأ، في مشتلها الديموقراطي، وإن كان لا يمس المعتقدات الدينية، حيث لا صليب، ولا بيعة تزعج العقول المتحجرة لمسلحي جبال الشعانبي، لأن تونس الثورة صارت في نظر دواعشها المغاربيين دولةً تتسامح مع العيش خارج منطق الحسبة والرقابة الدينية ودولة الخلافة، كما ترسمها كتب التاريخ. من مكر هذا التاريخ، والتاريخ سيد نفسه.

وتتعرض حرية المعتقد للامتحان، حيث لا توجد دولة، ولم يمر سوى الخريف.. المسلح، بالدبابات الأمريكية، ثم من بعدها بالدبابات المتعددة الجنسيات، في دروب العراق والشام. نتابع العودة التراجيدية إلى الماضي السحيق من قوس مفتوح في الجهة المظلمة فيه، ونتابع، بذهول، كيف ننجح في استعادة الوحشية كاملةً من الفترات القليلة التي عاشتها الحضارة العربية الإسلامية، ونتابع نجاحنا الذي لا يُضاهي، والذي لا نظير له في أي حقلٍ من حقول العقل. ونعلن، بوضوحٍ لا دم عليه، أننا ضد التقتيل والترحيل المسيحي لمن في العراق ولمن في سورية. لكن، الامتحان الكبير في موقع آخر، غير موقع الإدانة والغضب من وحوش الذئاب القادمة من كهوف اللاوعي الديني للأمة.

ولعل أكبر وأعمق خطوةٍ، يمكن انتظارها في هذا السواد العربي المعمم، هو أن تعلن الدول العربية الإسلامية استعدادها لاستقبال النازحين المسيحيين. وأن تكون المملكة العربية السعودية أول من تفتح أبواب ترابها، في مكة وجدة والمدينة، للمسيحيين العراقيين وغير العراقيين. فالبلدان الغربية، ومنها فرنسا، أعلنت عن استعدادها لمنح اللجوء للمسيحيين الذين ما زالوا يتشبثون بأرضهم، حتى سالت الدماء من أظافرهم، وبعضهم لم ينتظر. ففي العراق وحدها، انخفض العدد من مليون في العام 2003 إلى حوالي 300 ألف مسيحي، فقط في الفترة الراهنة. وهو نزيفٌ، لا ينحصر قياسه في الرأسمال البشري، على حجمه وقوته، بل هو أيضاً نزيف في قدرة الفضاء العربي، من الخليج إلى المحيط، على التعددية، وعلى قبول الآخر، وعلى احترام الحق التاريخي السابق عن إسلامنا، والذي يملكه المسيحيون في أرض العرب، وفي الدول التي ما زالوا مواطنيها… حتى إدعاش آخر.

والحل الذي يقترحه الغرب، أي اللجوء إلى أرضه، هو امتثال للرغبة البعيدة المدى لدولة الخلافة، وامتثال لإرادتها في تجفيف منابع التعدد والتعايش في الشرق، شرق الكتابات السماوية. وهو على كل موقف، يجد من بين الآباء الكبار للمسيحية العربية من يرفضه، يدعو إلى مساعدة المسيحيين على البقاء في أرضهم الشرقية. الشرق أصبح اليوم حارقاً، بلا ظل. ولا نبي يغامر، في وقتنا، في الإقامة فيه، حتى الموتى من الأنبياء تفجر قبورهم. وهناك، في الشرق، يعود الضوء الخافت للتعاويذ والسحرة وباعة الجثث، ويعود باعة الرق، والنساء يعدن إلى وضعية السبايا. وعليه، إن بعض الدول أكثر من غيرها، كالسعودية، باعتبارها أرض الأماكن المقدسة، لا بد من أن تكون سباقة. في خطوة دعوة المسيحيين إلى دخول ترابها. يجب، بالفعل، أن يفكر السعوديون باعتبار المملكة قلب الأمة، في استقبال المسيحيين، بل أن تبادر، في خطوةٍ غير مسبوقة، إلى بناء الكنائس فوق ترابها، إعلاناً واضحاً موجهاً ضد دولة إبراهيم، خليفة الفوضى الخلاقة، ونبي الزمن النازل علينا مع المظليين الأمريكيين، ومبعوث العناية الغربية الحرة.

وقبل ذلك، هناك الاختبار، أو الرائز الجوهري، وهو من صميم العقل والضمير والمعتقد، بالذات، يتطلب بدوره شجاعة تاريخية لقتل كل النسخ الممكنة لهولاكو الذين يعششون في سراديب تاريخنا الشخصي، أو الجماعي. وهو رائز التجديد العقلي في القضية الدينية، ووضع كل الثآليل تحت المبضع: حرية المرأة، حرية الاعتقاد، سمو الأديان، والمساواة بين أتباعها. علينا أن نملك المساحة نفسها في ضمائرنا للكنيسة، كما نفتحها لها، ونحن ندافع عن حق المسلمين في المساجد في أرض الفاتيكان.

لا يمكننا ألا نشعر بالإساءة والألم اللذيْن يسببهما الداعشيون للإسلام والمسلمين، وقد تمرنوا، أولاً، في قتل من يعتبرونهم كفارهم في الدين، لينتقلوا بنا، فيما بعد بنا، درجاً درجاً، في سراديب التاريخ الموحشة النازلة. إن وحشية الداعشيين، وترهيبهم، وانتشارهم، وقدرتهم على احتلال الأراضي وبناء التنظيمات، كلها عناصر تبين أنهم ليسوا خلفاء رحّل في أرض المشرق، بل أصبح لهم كيان، يتعيش منه الظلام التاريخي، وتعشش فيه الخفافيش العتيقة، ما يطرح القضية في عمقها، ويطرح، على العقل والضمير العربيين، حدود الجرأة في هدم الأساس الخرافي والغيبي الذي تبنى داعش على قاعدته قيامتها.

إننا نسمح بقتل وتدمير أقدم مجموعة بشرية مسيحية في العالم، قبل أن تكون أقدم مجموعة في العراق، بلاد الرافدين، ونضيف مساحات جديدة من الصحراء إلى صحرائنا الواسعة أصلاً، زماناً ومكاناً وعقلاً. الامتحان الأساسي يتعرض له العقل الديني الإسلامي، عندما يواجه عودته هذه الترسانة الرهيبة من المبادئ والسلوكيات العتيقة: السبي، الجزية،… والقبول بالمواطنة الثانية في ترتيب الحق في الأرض. الامتحان الذي يجب أن يخوضه العقل الديني الذي يسمى معتدلاً هو، بالضبط، في النقاش الواضح والموقف الصريح من هذه الترسانة، لا أن يخزنها في الغرفة الخلفية للذهنية الإسلامية، ويترك غبار الواقع الجديد، يلفها ويركبها، حتى يحين وقت الداعشيين، في كل زمان، لينفض هذا الغبار، ويصبح التأويل الرجعي هو الواقع، والواقع الذي تعيشه البشرية مجرد فكرة في شاشات بعيدة … ومحرمة.
بكلمة واحدة، الخليفة المعلن لا يرسم حدود الدولة فقط، بل يرسم، أولاً، حدود العقل الديني وحظوظ الأديان في التعايش في الشرق الذي نزلت فيه».

 

الاثنين 10 أبريل 2017.