لا بأس، يحق له أن يودعنا،

يحق لأحمد خيار أن يرحل، بعد أن أصبحت وجوهنا لا تعني له شيئا
والحياة برمتها،
مجرد تفصيل طارئ في روتين الانحدار
و بعد أن قررت الأسطورة النزول عن تماثيلها
والبحث عن ضفاف أخرى في نثرية اليأس..
لا بأس، يحق له أن يرحل…
فلم يعد في الشمس ما يكفي لظله
ولا في الظل ما يكفي لعوده
ولا في اللحن ما يكفي لنشيده..
كم سنة وهو يغمرنا بالأحجيات، من بين زنازن الإعدام وتحت المقابر؟
فهل عرفنا ذات ظلام طريقه إلينا؟
وهل سألناه أين ستقيم، عندما تغادر قلوبنا؟..
كم سنة وهو يرابض بين الأسطورة والمعجزة، ممتنا لبساطته النضالية لأنها جعلت منه رجلا فارقا في الزمن، فهل سألناه كم به من إنسانيتنا حتى لا ننساه../
لم نسأله، لأننا كنا ننظر إلى جهة أخرى من حاضر اعتبرنا شرط العيش فيه أن نكون أصغر من فكرة
وأكبر قليلا من أمنية..

يحق للمناضل خيار أن يرحل إلى دار البقاء ونحن الذين اعتبرناه، قيد سجنه، أقدم معتقل سياسي في المغرب.. ومنا من أطلق عليه لقب مانديلا البلاد…، لا يليق بنا أن نشده إلينا أكثر مما تتحمل دورته الدموية.. وأكبر مما تتحمله قدرته على قدرته على الخراب المحيط بنا مثل مشاتل يعاد تنضيدها بانتظام..

أذكر أنه بعد وفاة الراحل الكبير عبد الرحيم بوعبيد، كانت لنا في يومية »ليبراسيون« الفرنسية، والتي كان يشرف عليها السي محمد اليازغي، قصة تروى عن اللقاء بين مدير جريدتنا اليازغي وبين الراحل الحسن الثاني، الذي استقبله عقب رحيل القائد التاريخي.

تقول قصتنا التي تداولناها كَسِر من أسرار النبوة الأولى، إن الملك الراحل سأل السي محمد اليازغي ،أطال الله عمره، عن وصية الكبير عبد الرحيم، باعتبار أن السي محمد كان من بين آخر من رآه ، فكان جواب اليازغي: أوصاني بثلاثة أسماء، هم الحسين المانوزي، أحمد خيار وبلقاسم وزان..
وتضيف القصة أن الملك الراحل قال: المانوزي اعرفتو ، وخيار هو اللي في السجن ، وماهي قصة وزان بلقاسم؟..
قال السي محمد:اعتقل مع من اعتقل في فجيج وفي الأطلس وفي… …
فقال الحسن الثاني: آااااه، أيام التسلل المسلح!!! ، وقتها تعلم محمد خيار التسلل إلى البلاد
وتعلم ألا يخرج منها إلا ميتا بعد أن يكون قد أمضى عمرا بين الشك وبين الملحمة:هل سيستقيم الأمر للثورة أم ستعود البلاد إلى رماد الأكذوبة..؟
لم يسعفه سوى وقوفه وحيدا في طريق طويل وشاق، محاطا بأبنائه في سلم الترتيب الطبقي الأسفل..
السي أحمد خيار، سيرة رجل من زمن اللهيب، والرصاص، المزدوج .عاش بلا ضجيج رغم سيرته المفصلية، ورغم كل ما عاناه في حي الإعدام..
عاش لكي لا يموت
ومع ذلك يعتبر بأن رحيله ضرورة آنية لكي لا تفسد الحياة آخر ما تبقى فيه من أسطورة
وآخر ما تبقى فيه من نشيد
وآخر ما تبقى فيه من اسمه…
رحمه الله، ورحمنا في ظلاله بسطاء، وأدام غضبنا الرزين ولو في عقر زنزانة!

 

الثلاثاء 12 ابريل 2017.