ماتت إيديا. فارقت الحياة، وهي في ريعان طفولتها . تنقلت،وهي تحمل ابتسامتها البريئة بين ثلاثة مستشفيات، إقليمي وجهويين. ولم تكن التجهيزات ولا العنصر البشري بهذه المؤسسات في مستوى طفولتها، كي تنقذها، وتوقف ذلك النزيف الذي سببه لعبها وهي ترتطم بالأرض.

ماتت إيديا، وكشفت لنا أنه بجهة من جهات المغرب يبلغ عدد سكانها أكثر من مليون ونصف، وتضم خمس عمالات، لم يستطع قطاع الصحة أن يوفر لها الحق في العلاج، لأنه قطاع معطوب، ويكفي أن نطلع على تصريح للمدير الجهوي بالجهة لنعرف بأن الخصاص كبير في الموارد البشرية الصحية. إذ يصل إلى1000 ممرض،بينما الخصاص في الأطباء العامين والاختصاصيين يصل إلى 250.أما الإداريون و التقنيون فيصل إلى 100 منصب.

وفاة إيديا، عرى على حقيقة سياسة عمومية، كأنها بنيت على كثبان رمال، وانهارت أمام طفلة عمرها بالكاد ثلاث سنوات. لم تجد بالمستشفى الإقليمي لتنغير التجهيزات الطبية الضرورية . وفي المستشفى الجهوي بالرشيدية، كان التشخيص أسوأ من غياب المعدات. وحين اضطر الأب لنقلها إلى مدينة فاس، كانت سيارة الإسعاف مجرد هيكل لايحتوي على أي تجهيزات للحفاظ على حياتها.

وإيديا شاهدة على واقع مازالت فيه وفيات الأطفال دون سن الخامسة مرتفع مقارنة مع دول شمال افريقيا والشرق الأوسط، وشاهدة على ضعف البنيات ،وشاهدة كذلك على التهميش الذي مازال يضرب جهات ومناطق، وعلى هزالة التمويل وهشاشة التجهيزات…. وحقيقة الشعارات.

المغرب، يعتبر من أقل الدول إنفاقا على صحة مواطنيه، ونصيبهم في ميزانيات الخمس سنوات الأخيرة لم يتجاوز 4.9 % في أحسن الحالات، رغم أن النسبة التي تم إقرارها في قمة الألفية بالأمم المتحدة هي 10 % من الميزانية العامة للدول، وهي نسبة لا تمثل سوى نسبة 1.2 % من الناتج الداخلي الخام.
و المغرب، يوجد في صلب الانتقال الديموغرافي والوبائي، في مرحلة تتسم بعدم المساواة في الصحة والولوج إلى العلاجات الصحية وعدم تحقيق أهداف الإنمائية للألفية، حيث لا يزال أزيد من 40 % من المغاربة لا يستفيدون من أي تغطية صحية.

والمغرب، يعرف ضعف شبكة العلاجات الأساسية التي تقدم العلاجات الأولية: أغلبها يوجد في وضع كارثي، لتقادم بناياتها وأجهزتها، في ظل غياب الرقابة وتراجع الميزانيات، وأكثر من 300 مؤسسة مغلقة، لعدم توفر الموارد البشرية والتجهيزات الطبية اللازمة، وأزيد من 600 مركز صحي لا يتوفر على طبيب، وأزيد من 700 منها تشتغل بممرض واحد.

وعموما،تعرف المنظومة الصحية، اختلالات عميقة بفعل الإكراهات المتعددة والحاجيات الملحة لفئات عريضة من المواطنات والمواطنين، كما اعترتها مشاكل جوهرية، تتعلق بسوء التدبير، وتفشي الفساد، مما أدى إلى تدني الخدمات الصحية، وتراجع المؤشرات الأساسية.

وقد تمثلت الإشكالات الصحية الرئيسية، المهددة للحماية الاجتماعية، في غياب التغطية الصحية الشاملة واتساع حدة الفوارق الصحية المجالية، وصعوبة الولوج إلى العلاجات، وقلة العرض الصحي، والنقص في الموارد البشرية، وغلاء الأدوية، والمستلزمات الطبية. فمعظم الإجراءات المتخذة إلى اليوم، لم تعكس توجها حقيقيا واستراتيجيا لإصلاح المنظومة الصحية،ولم تترجم سياسة عمومية قوية، بمخططات عملية، وأولويات علمية، وأهداف دقيقة، تستجيب بشكل عام، لانتظارات المواطنين، وآمال المهنيين. وهكذا، ظل قطاع الصحة محكوما بالتدابير المنبثقة عن خطط عمل ظرفية لا تتجاوز المدى القصير، في غياب ميثاق وطني حول الصحة، يرسم المعالم العامة للاستراتيجية الوطنية الصحية على المدى المتوسط والبعيد.

رحم لله إيديا، وأسكنها فسيح جنانه، وألهم ذويها الصبر والسلوان. إنها وضعت ملف الصحة بالمغرب تحت دائرة الضوء . ونأمل أن تهتم السياسات العمومية بتغيير واقع مريض وتضخ فيه كل متطلبات الصحة .

 

ليوم الجمعة 14 ابريل 2017.