يتحمس الإنسان، عادة، لإحداث التغيير الاجتماعي والسياسي، تعبيرا عن استيائه من الأوضاع القائمة، وطموحه في فتح أفق أرحب لما يرغب في أن يكون عنصرا إيجابيا في الحياة الاجتماعية والسياسية للشعب الذي ينتمي اليه أو للشريحة الاجتماعية التي هو جزء لا يتجزأ منها. وغالبا ما تتم ترجمة هذا الحماس في أعمال وممارسات ملموسة في سياق انتماء سياسي أو نقابي أو هيئات مدنية بعينها. قد تكون هذه الممارسات موجهة من قبل برنامج سياسي واجتماعي واضح المعالم، ومحدد البنود والآجال الزمنية، وقد لا تحظى بمثل هذا الامتياز، لكونها نوعا من الممارسات التلقائية، هلامية الشعارات، والسقوف، متقلبة بحسب المزاج السائد في الشارع العام، الداخلي أو الإقليمي. وإذا كان ممكنا الحديث عن الإرادة السياسية الواعية، عند الصنف الأول من المتحمسين والمساهمين في مختلف الممارسات الرامية إلى إحداث التغيير في النظامين الاجتماعي والسياسي، فإن اللفيف الثاني عادة ما يكون منفعلا، وغالبا دون وعي، بمجرى الأحداث، كما تتحكم فيها الإرادات المتصارعة، سواء بين إرادة التغيير وبين إرادة المحافظة على الأمر الواقع المعرقلة لكل محاولات تجاوز هذا الواقع، لتعارض الأهداف بين الإرادتين أو بين قوى وإرادات التغيير ذات التوجهات والسقوف المتباينة، والتي يحاول كل منها تحديد الملامح الأساسية للواقع المنشود وتوسل الأساليب التي التي تقربها من تحقيق أهدافها..

وقد يكون قسم كبير ممن لا توجههم إرادة واضحة، واقعين تحت تأثيرات قوى مشبوهة تزين لهم التحرك باتجاهات مناهضة للتغيير الحقيقي، من خلال الإيحاء برفع شعارات تبدو جذرية وثورية في مطالبها المعلنة، غير أن التأمل فيها، وفي مفاعيلها على الأرض كفيل بكشف بعدها التضليلي المناوئ للتغيير في نهاية المطاف.

وبطبيعة الحال. فإن كل عملية تغيير يعرفها مجتمع من المجتمعات تحمل، بالضرورة، بصمات محصلة التنافس والصراع بين هذه القوى الأساسية، وان الموقف منها يقاس بطبيعة النتائج المحصل عليها. ومن هنا لا يتم النظر إلى تلك النتائج إلا باعتبارها عناصر مؤسسة لمرحلة جديدة من التنافس والصراع بين مكونات المجتمع السياسي. وهو ما يؤدي إلى تغيرات أساسية في مواقع تلك القوى المدعوة، حتما، للانخراط في معارك بناء المستقبل. وقد يترتب على هذا فقدان عدد من القوى لمواقعها في المشهد السياسي الجديد، الأمر الذي يجعلها تحن إلى الماضي الذي أصبحت ترثيه، بعد أن كانت تسلط عليه سهام نقدها المشفوع بالرغبة والعمل على تغييره.

فهل يكفي هذا السخط، لفئة من فئات المجتمع، على الوضع الجديد للدفع بالجهود نحو العودة إلى الماضي الذي تم القطع معه عمليا على أكثر من مستوى؟
إن الإجابة على هذا السؤال تبدو متاحة وبسيطة، متى لم يتم التدقيق في تشخيص الواقع الجديد الناجم عن هذه العملية التغييرية المعقدة، ولعل الجواب بالسلب هو المرجح لأنه من غير المنطقي محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، كما يقال، ولأن التركيز على ان هذه هي مهمة القوى السياسية في البلاد المعنية، هو بمثابة التسليم بأنها قد تركت مستقبلها وراءها، على عكس ما جاءت عملية التغيير لإثباته والبرهنة عليه بالأصل.
صحيح أن التعارض الممكن، بين التوقعات، التي كانت تقوم على طموحات قوى التغيير من منطلق ما ينبغي أن يكون وبين ما تحقق فعلا على أرض الواقع، قد

يغري بالدخول في عملية لعن الواقع الجديد الذي خيب الآمال، غير أن الدفع بهذا الموقف إلى حد ولوج عملية نكوصية إلى ما قبل الواقع الراهن يكرس نوعا من الفكر الرجعي المشدود إلى الوراء علاوة على كونه تسفيها حقيقيا لكل شعارات التغيير السياسي، التي تم رفعها في المراحل السابقة.

وفي سياق هذا الموقف، غير المنطقي، وغير المتسق، مع فكرة التغيير يمكن ملاحظة بروز تصورات عدمية من نوع جديد مستعدة للتضحية بفكرة التغيير ذاته لشعور أصحابها بالإحباط وانسداد الأفق أمامها. وهو ما يدخل في نطاق نوع من الندم السياسي الذي يؤخر ولا يقدم الممارسة السياسية بأي حال من الأحوال.

الثلاثاء 18 ابريل 2017.