لا يخالجنا شك في أن كلمة (تمثال) كانت تدور على الألسن قبل الإسلام أكثر من دوران كلمة (صنم) فهذا “أمرؤ القيس يقول:
ويا رب يوم قد لهوت وليلة **بآنسة كأنها خط تمثال

ويقول شارح الديوان “الأعلم الشنتمري” تفسير كلمة (تمثال): “خط تمثال، أي نقش صورة”، والتمثال والمثال: كل ما مثلته بشيء وإنما شبهها بالتمثال لأن الصانع له يتأنق في تحسينه ويمثله على أحسن ما يمكنه”.

وربما تستطيع أن تشتم هنا رائحة فكرة (المحاكاة) اليونانية كما وردت عن “أفلاطون” بالذات، فالفنان عنده يحاكي الأشياء، أي يمثلها أو يمثل هيئتها في الواقع. غير أن كلمة تمثال بدأت تتراجع بعد مجيء الإسلام لصالح المصطلحات القرآنية المرادفة، مثل (صنم) و(وثن)، على ما بينهما من تباين في ظلال المعنى، فالصنم كما ورد في (اللسان) هو الصورة بلا جثة. أما الوثن ، فيطلق على (كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي، تعمل وتنصب فتعبد)، ومع هذا فقد كانت الكلمتان تتبادلان معنييها، وقد تستخدمان على أنهما مترادفتان. يقول “دعبل الخزاعي” مفتخرًا على النزارية بحضارة قومه القحطانيين التي تشهد بها آثارهم وأصنامهم الباقية، ومن بينها (صنم المغارب).

بأيلة والخليج لهم رسوم **وآثار قدمت وما محينا
وفي صنم المغارب فوق رمل **تسيل تلوله سيل السفينا

ويقصد الشاعر بصنم المغارب التمثالَ الذي يحكي أن أحد ملوك اليمن كان قد بناه قديمًا حين خرج غازيًا إلى المغرب فواجهته تلال الرمال المتحركة، فأمر قبل أن يعود أدراجه بصنع تمثال من النحاس على هيئة إنسان، ونصبه على صخرة، ونقش على صدره تحذيرًا حتى يحترس القادمون فلا تبتلعهم الرمال.
ولم تلبث كلمة (تمثال) أن عادت من جديد إلى معناها الأصلي الدال على الجمال الفني المتقن، متخلصة من الإيحاءات الدينية التي أكسبها إياها الإسلام بجعلها مرادفة تقريبًا لكلمتي (وثن) و(صنم) وينقل “القلقشندي” (ت 821 هـ) عن “ابن بنت الأعز” قوله:

ظريفة الشكل والتمثال قد صنعت **تحكي العروس ولكن ليس تغتلم

فالشاعر يستخدم الكلمة هنا بدلالتها الفنية (الجمالية) كما كان يستخدمها “امرؤ القيس” في الجاهلية، وقد يتأنق بعض المؤلفين فيزينون عناوين كتبهم بكلمة (تمثال) بدلالتها هذه كما فعل “العبدري”) (ت837 هـ) حين جعل عنوان موسوعته عن الأمثال العربية (تمثال الأمثال).

وقد وردت الكلمة مرتين في القرآن، ولكن بصيغة الجمع فمرة بمعنى الأوثان، “إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عابدون) (الأنبياء: 52). أما المرة الأخيرة، فذات دلالة إيجابية لأنها جعلت من نحت التماثيل عملاً طيبًا مرغوبًا، ينتمي إلى دائرة الأعمال والأشياء الجميلة، وتتوافق الكلمة هنا مع دلالتها الفنية الجمالية التي كانت لها في الأصل (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) (سبأ: 13)، والحديث هنا عن الجن الذين سخرهم الله للملك “سليمان” فصنعوا له- من بين ما صنعوا من بدائع التماثيل، وربما كنا في حاجة إلى أن نقف عن تأويل هذه الآية على ضوء ما ذكرنا به “أبو العلاء المعري” من أن فصحاء العرب قد تعودوا أن ينسبوا إلى الجن كل ما تقع عليه أعينهم من صنائع جميلة يتجاوز حسنها قدرة البشر:

وقد كان أرباب الفصاحة كلما رأوا حسنًا عدوه من صنعة الجن.

وما يهمنا هنا، هو أن هذه الدلالة الفنية لكلمة (تمثال) هي التي أوحت قديمًا لبعض علماء السنة العقلاء بأن يبيحوا التماثيل والصور قياسًا على ما أبيح للملك “سليمان” . هكذا فعل “القرطبي” (ت 671 هـ) صاحب (الجامع لأحكام القرآن)، ولم يكلف – للأسف – أحد مشايخنا الكبار في هذه الأيام نفسه بأن يستهدي بهذا الرأي، لا سيما أن “القرطبي” ليس من فقهاء المعتزلة أو الشيعة مثلاً، بل هو فقيه سني مالكي المذهب. بل لقد مال هؤلاء المشايخ إلى حزب أعداء الفن وخصوم الإبداع، فلم تستوقفهم (تماثيل سليمان) وإنما استوقفتهم الآيات الأخرى التي ذكرت الأصنام والأوثان.

ولم ترد في القرآن كلمة “صنم” أو “وثن” على الإفراد، وإنما وردت الكلمتان بصيغة الجمع، ويحتاج الأمر هنا إلى إعمال العقل لكشف السبب، أي يحتاج إلى شيء من الاجتهاد، وهي كلمة أصبحت بغيضة في فقهنا المعاصر الذي قنع بالتقاليد والترديد، فالاجتهاد لا يقوم بغير قدرة على التأويل، لا تتأتى بدورها إلا لمن أحاط بعلوم اللغة وآدابها وصرفها ونحوها، وكان من أصحاب الخيال الخلاق والبصيرة الحية بضرورات الحضارة الخلاق والبصيرة االإنسانية وحاجات النفس البشرية، وكلها شروط لا تتوفر في أغلب من يعاصروننا ونعاصرهم من المشايخ الكبار.

وقد وردت كلمة (الأصنام) بصيغة الجمع خمس مرات في القرآن مرة منها تتعلق ببني إسرائيل بعد نجاتهم من مطاردة المصريين (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم) (الأعراف: 138) والمرات الأربع الأخرى تدور حول قصة “إبراهيم” المعروفة عن رفضه لعبادة الأصنام كما وجد عليها قومه: (الأنعام 74، إبراهيم: 35، الأنبياء: 57، الشعراء: 71) أما كلمة (الوثان)، فقد وردت ثلاث مرات منها مرة في سورة (الحج: 30)، والمرتان الأخريان في (سورة العنكبوت، 17و25) وكلها تنصرف إلى معنى الشرك والوثنية عند من يتخذون الأوثان من دون الله. ولنتذكر هنا كيف أن الإمام “محمد عبده” في فتواه التي أوردناها قد أشار إلى أن عصور الوثنية قد انقضت، فيزول التحريم بزوال علته، ولنتذكر أيضًا الفارق الدلالي بين (التمثال) و(الوثن) فليس كل تمثال وثنًا، وهذه تماثيل المصرين تملأ المتاحف، فنحن نرى تمثال الملك وشيخ البلد وحملة القرابين والعمال والموظفين وغيرهم من أمراء الشعب وعامته، أفكان كل هؤلاء آلهة يعبدون؟ !

إن تحريم نحت التماثيل لم يرد بصورة مباشرة ولا حتى غير مباشرة في الآيات القرآنية التي دارت حول هذا الموضوع، فهذه الآيات لم تستنكر الفعل نفسه، بل استنكرت ما قد يهدف إليه، وحتى كلمة (نحت) التي وردت بصيغة الفعل أربع مرات في القرآن، لا تفيد شيئًا من ذلك التحريم المزعوم، فثلاث من هذه المرات تذكر ما درجت عليه (ثمود) قوم (صالح) إذ ينحتون من الجبال بيوتًا: (الأعراف 74، الحجر:82، الشعراء: 49). أما المرة الرابعة، فقد وردت في سياق استنكار الهدف من النحت، أي نحت التماثيل لعبادتها: (قال أتعبدون ما تنحتون) (الصافات: 95)

ينصب التحريم إذن لا على التمثال نفسه، وإنما على التمثال إذا ما نحت بغرض العبادة، وقد رأينا كيف أن كلمة (تمثال) بدلالتها الفنية الخالصة كانت مألوفة قبل الإسلام، ولم تكن كلمة صنم بالمجهولة، فقد سميت بها وبمشتقاتها بعض القبائل والبطون مثل: (صنم وصنيم وصنامة). غير أن الكلمة لم تتخذ دلالتها النهائية باعتبارها اسمًا للتمثال المعبود، إلا مع الإسلام، وهكذا غلبت في ذيوعها على كلمة (تمثال)، لوقت طويل، وربما كان هذا هو السبب في أننا لا نجد كتبًا في التراث عن التماثيل، في حين نجد عن الأصنام، مثل كتاب ابن الكلبي (ت 204 هـ) المعنون: (الأصنام)، وكتاب “الجاحظ-( ت 255 ه)” حول الموضوع نفسه، ولم يصل إلينا للأسف إلا حديث صاحبه عن مضمونه. فهو يتناول جوانب دينية تتعلق بالأصنام وأخرى فنية تعلق بالتماثيل، فمن الجوانب الدينية الحديث عن الأصنام في الديانة “الهندوسية “وسبب عبادة العرب إياها وكيف اختلف الهنود عن العرب في جهة العلة مع اتفاقهما على جملة الديانة، وكيف صار عباد البوذيين المتمسكين بعبادة الأوثان المنحوتة والأصنام المنجورة، أشد الديانين إلا لما دانوا به وشغفًا بما تعبدوا له، وأشدهم على من خالفهم ضغنًا، وبما دانوا ضنا، وما الفرق بين الدمية والجثة، ولو صوروا في محاربيهم وبيوتهم عباداتهم صور عظمائهم ورجال دعوتهم”، أما عن الجوانب الفنية في هذا الكتاب النفيس الضائع فتشمل: ..لو تأنقوا في التصوير، وتجودوا في إقامة التركيب، وبالغوا في التحسين والتفخيم”، وما شابه هذا من قضايا جمالية الطابع.

وربما كان الدرس الذي ألقاه علينا (الجاحظ) هنا، صالحًا لإقناعنا بأن قضية فن النحت ليست ذات جانب أوحد هو التحليل أو التحريم، وإنما هي قضية ثقافية تتعلق في المقام الأول بطبيعة الفن ووظيفته ودوره في الحضارة الإنسانية، كغيره من الفنون.

وربما كان درس “محمد عبده”، قد نجح من جهة أخرى في إقناعنا بأن النحت شأنه شأن الرسم، هو ضرب من الرسم المسموع، فلا فرق من حيث الجوهر بين التمثال والقصيدة، اللهم إلا في أداة التصوير أو مادته، فالقصيدة تقدم لنا صورًا مجسدة للمجردات ولكن من خلال اللغة، وفي القرآن كثير من هذه الصور، مثل (وجه الله ويده وعرشه). ولكننا نقبلها ونتأولها دون أن نقع في التشبيه، وقد يقدم لنا التمثال هذه الصور نفسها، ولكن عن طريق وسيط آخر هو الحجر أو المعدن أو الخشب، فتثور ثائرتنا وتهيج انفعالاتنا دون سبب مفهوم، اللهم إلا أن نكون نحن المقصودين وحدنا- دون اليهود- بما ورد في (العهد القديم) من تحريم حاسم للصور والتماثيل.

الاثنين 24 ابريل 2017.