«مايكل نوفاك» فيلسوف أميركي محافظ توفي مؤخراً، اهتم في أعماله الفكرية بمسألة الحرية في الديانات التوحيدية ، وقد اعتبر أن الإسلام بتصوره المعياري الشمولي عاجز عن توليد تصور أخلاقي بمعنى الذاتية الحرة، فالشريعة تصوغ كل تفاصيل حياة الفرد والجماعة، ولا تترك أثراً للعقل والحريّة. «نوفاك» يردد هنا أطروحة استشراقية معروفة، تحولت إلى محدد أساسي من محددات خطاب الإسلام السياسي في تصوره القانوني للشريعة من حيث هي محور الشرعية الدينية للدولة. ومن هنا تحول مطلب «تطبيق الشريعة» إلى جوهر المشروع الأيديولوجي لحركات الإسلام السياسي. ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الشريعة في التقليد الإسلامي يختلف نوعياً عن هذا التصور المغلوط، الذي يستند إلى خلفيتين متمايزتين: خلفية لاهوتية يهودية بعيدة، وخلفية قانونية حديثة. أما الخلفية اليهودية فتتمثل في اعتبار «الشرع» المضمون الوحيد لعلاقة التعبد، من منظور أن الأوامر الإلهية هي إرادة الإله المنزلة مادياً (في شكل ألواح)، فلا سبيل لمعرفة الإله إلا من خلال تشريعاته الملزمة القاهرة، التي هي دعامة الهوية اليهودية ذاتها.

هذا القصور القانوني للأخلاق (الأوامر القطعية الكلية)، هو الذي نجد شكله الفلسفي لدى كانط، الذي نقله من السجل اللاهوتي إلى السجل الإنساني الذاتي، بما عبر عنه الشاعر الألماني «هولدرلين» بقوله «إن كانط هو موسى أمتنا»، وأدركه الفيلسوفان الألمانيان شوبنهور وهيجل يربطهما الكانطية بروح اليهودية.

ليس للشريعة في التقليد الإسلامي هذه الدلالة لسببين أساسيين هما: أن مفهوم الرسالة يتحدد وفق دلالة الوحي لا التقنين، وأن الأصل في الأحكام الشرعية هو البراءة الأصلية لا الأمر والتحديد. ومن هنا فإن الشريعة مفهوم واسع له دلالات أربع مترابطة: فهي من جهة المتبع والطريق، أي مخزون الدلالة والقيم، وهي بمعنى آخر نظام التعبد والعبادة، وهي وفق معنى آخر النسق التأويلي والخطابي للدين، وهي أخيراً حقل التدين الجماعي في دوائره الأهلية وترابطاته العضوية.

ومن هنا ندرك زيف الثنائيات الشائعة في الشريعة: بين العقلي والنقلي، بين التوقيفي والوضعي، بين العمومي والخاص، بين الأخلاقي والقانوني، ذلك أن هذه التمييزات تصدر دوماً عن الاختزال المعياري الضيق للشريعة، أي تحويلها إلى مجرد مدونة أحكام أو أوامر قطعية. وبالرجوع إلى الفكر الإسلامي الوسيط، يتبين الفرق الجوهري بين الفلاسفة الذين نظروا للشريعة بالمفهوم الأفلاطوني، أي القوانين التي ترسي نظام المدينة والمجتمع، والفقهاء الذين اعتبروها تقليداً تأويلياً ومعيارياً تستنبط منه الأحكام الشرعية، وتضبط به حركيّة المجتمع، فمداره من هذا المنظور هو نظام الجماعة الأهلي لا الدولة، الأخلاق بمفهومها الأدبي السلوكي لا المعايير القانونية المجردة.

مع بدايات الفكر الإسلامي الحديث تبلورت أطروحتان، ذهبت إحداهما إلى صياغة كانطية للأخلاق الإسلامية من خلال مفهوم القانون الأخلاقي الكلي القائم على الإرادة الذاتية الحرة (محمد عبد الله دراز)، وذهبت الثانية إلى الصياغة القانونية للفقه الإسلامي بتحويله إلى مدونة قانونية تفصيلية، وتحويل مفهوم الخلافة إلى فكرة الدولة ذات الشرعية الإسلامية (عبد الرزاق السنهوري).

وفي حين ظلت الأطروحة الكانطية معزولة، رغم أهمية وعمق مقاربة «دراز»، هيمنت الأطروحة القانونية السنهورية، وأصبحت من محددات الدولة في عموم البلدان الإسلامية، رغم الإشكالات النظرية والعملية التي تطرحها، وفي مقدمتها إشكالية الشرعية الدينية للدولة التي نفذت منها جماعات الإسلام السياسي المتشددة إلى الحقل التداولي العام.

الأطروحة الكانطية، وإن كانت تؤسس معيارياً لأخلاقية المساواة والرشد (وهي قيم إسلامية)، فإنها بمفهومها القانوني (الإجرائي) للأخلاق تلغي الأبعاد الجماعية والأصيلة (بمعنى التجذر في أنماط عيش مشتركة)، في السلوك التي هي عماد أخلاقيات الشريعة، وكما أدرك «لفيناس» لا يمكن تصور للمسؤولية الخلقية خارج العلاقة بالمطلق، فالقانون الكلي يظل عرضياً هشاً وخارجياً مداره التشريعات المؤسسية لا العلاقة بالآخر. لا معنى إذن لفصل أحكام الشريعة عن قيمها المرجعية وتقليدها التأويلي، فهي تجمع هذه المستويات التي تلخصها ثلاثية التأويل والتعليل والتنزيل التي اعتبر العلامة «عبد الله بن بية» أنها الأُطر التي تتحدد فيها جدلية خطاب التكليف الإطلاقي وخطاب الوضع الإجرائي الواقعي من حيث هما وجها الشريعة ومظهر مرونتها وتجددها في التاريخ.

 

الخميس 27 ابريل 2017.