لأن الحكومة الثانية بعد إقرار دستور 2011، جاءت إلى حد ما ممسوخة، بعد مخاض عسير دام زهاء نصف عام من الشد والجذب. وبما أن شرعيتها لا تكتمل إلا عبر تنفيذ الفصل 88 من الدستور، الذي ينص على: “تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح برنامج الحكومة”. فإن الائتلاف الحكومي الشبيه بكائن سياسي هجين، لعدم وجود أي رؤية موحدة أو خيط ناظم بين مكوناته المتنافرة، عدا ما يجمع أعضاء الحكومة من دفء الكراسي وتعويضات هامة وامتيازات مهمة، قام بطبخ برنامج حكومي على عجل، لتدارك ما ضاع من زمن تشريعي وسياسي واقتصادي واجتماعي.

     ووفق المنصوص عليه دستوريا، تولى رئيس الحكوم الدكتور العثماني تقديم التصريح الحكومي يوم 19 أبريل 2017 أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، وبعد مناقشة سريعة لمضامينه من قبل الأحزاب السياسية بالغرفتين، تمت المصادقة عليه في جلسة عمومية عقدت يوم الأربعاء 26 أبريل 2017، بحصوله على ثقة 208 نائبا ومعارضة 91 نائبا وامتناع 40 نائبا. وبذلك استوفت الحكومة العجيبة الشروط الدستورية للشروع في ممارسة صلاحياتها.

     وكما صرح سيادته أمام نواب الأمة وعلى مرأى ومسمع من المغاربة كافة، بأن الهم الذي كان يشغل باله عند تعيينه رئيسا للحكومة، هو الإسراع بتحقيق النجاح في تكوين أغلبيته وهيكلة حكومته، فلا غرو أن يدافع بقوة على البرنامج الحكومي مهما كان فارغا، ويبدي مقاومة شرسة ضد منتقديه من المعارضة والأغلبية كذلك، لانتزاع ثقة البرلمان. إذ بدا متفائلا ب”منتخبه” الوطني في رفع التحديات وتحقيق الانتصارات. ترى ما الذي حمله “التسريح” من إشارات لطمأنة المواطنين؟

     فالبرنامج الحكومي بإجماع الكثيرين، أتى زاخرا بالأحلام الوردية والوعود بدون خلفية سياسية، وفي ذات الوقت شابته نقائص عديدة ومتنوعة، تتجلى بالأساس في السرعة الفائقة لإعداده، وافتقاره إلى الأرقام الأساسية والتشخيص الدقيق للأوضاع القائمة، الترتيب الواضح للأولويات والأهداف الكبرى، وما يلزم من تدابير وإجراءات عملية، وتحديد الموارد المالية المرصودة ومصادر التمويل الكفيلة بإنجاز المشاريع والآجال المحددة، للحد من تخوفات الجماهير الشعبية، لاسيما أن الحزب الذي يقود الحكومة حاليا، هو نفسه الذي اكتوت بنيران قرارات قائده الجائرة في الولاية السابقة، حزب يقول قياديوه بأنهم لم يسبق أن شعروا قط بمرارة الألم مثلما هم عليه اليوم، جراء إقالة أمينهم العام من رئاسة الحكومة، ويزعمون أنهم قاوموا الضغوطات السياسية طيلة ستة أشهر، وقدموا تنازلات أليمة صونا لكرامة أصوات الناخبين وحفاظا على المصلحة العليا للوطن. فيا سبحان الله ! أين كانت مشاعرهم، عندما كان المغاربة يتلقون الضربات الموجعة على يد أمينهم العام، من حيث الإجهاز على القدرة الشرائية ومكتسبات الإضراب والتقاعد والحد من فرص الشغل…؟

     ذلك أنه رغم فقدانهم الثقة في الحكومات المتعاقبة، وشعورهم باليأس والإحباط أمام ما وصل إليه المشهد السياسي من مهازل استفزازية، مازال المغاربة متمسكين ببصيص من الأمل، يمنون النفس بألا تكون حكومة العثماني امتدادا لحكومة سلفه بنكيران، خاصة أنها ترفع شعار “مواصلة الإصلاح”، فعن أي “إصلاح” تتحدث إن لم تكن عازمة على عدم التراجع عن القانون المجحف للتقاعد بعد ظهور تقرير لجنة تقصي الحقائق وما حمله من توصيات، والاستمرار في تشجيع الرأسمال الليبرالي المتوحش، على حساب المقاولات الصغرى والمتوسطة ورفع اليد عن الخدمات العمومية من تعليم وصحة وسكن لائق… والامتثال الأعمى  لإملاءات صندوق “النكد” الدولي؟

     فعلى المستوى الاقتصادي، جاء “التسريح” الحكومي متضمنا إجراءات يعوزها الطموح، في تحقيق نمو يستطيع تلبية انتظارات الشعب، حيث حدد معدل النمو في ما بين 4,5 و5,5 بالمائة، بينما يوصي البنك الدولي بتحقيق ما بين 8 و9، إذا ما أرادت الدولة اللحاق بركب البلدان الصاعدة. كما أنه اعتمد تمويها مكشوفا في ما يرتبط بالاستدانة، عندما تحدث عن مديونية الخزينة البالغة 64 بالمائة، عوض الحديث عن المديونية العمومية التي تقدر بحوالي 83 بالمائة، دون إبداء رؤية واضحة حول كيفية معالجتها، اللهم إلا إذا كانت الحكومة تعتزم اللجوء من جديد إلى جيوب المواطنين، في إطار استكمال “إصلاح” صندوق المقاصة. وإلا ما معنى الترويج لتحرير أسعار المواد الأساسية المتبقية كالسكر والغاز والدقيق؟  فضلا عن أن اقتراح تخفيض معدل البطالة إلى 8,5 بالمائة، يعد كلاما فارغا وهزيلا مقارنة مع ارتفاع نسبة العاطلين ذوي الشهادات، وتجاهل الحديث عن المخططات الرهيبة من قبل فصل التكوين عن التوظيف وترسيخ التوظيف بالتعاقد.

     ولا أحد ينكر اليوم أنه في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمحاربة الفساد والاستبداد واعتماد الحكامة الرشيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، للحد من الهدر المالي والقضاء على التملص الضريبي، فإن الاقتصاد الوطني سيظل عاجزا عن مواجهة التحديات الكبرى على مستوى تدبير اختلالات المالية العمومية، والحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية، ولن يكون مؤهلا لتقوية التنافسية والرفع من وتيرة الاستثمار في اتجاه تحقيق الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والحد من البطالة…

     فمواصلة الحديث عن “التسريح” الحكومي لن تزيد عدا في نكء الجراح، مادامت السياسات العامة ماضية في اتجاه تصفية المكتسبات الاجتماعية وتجميد الأجور… بيد أن هذا لا يمنع من الدعاء بالهداية لحكومة العثماني، بأن يتوفر لها مناخ التضامن، حتى تتمكن من حسن تدبير ملفات: التعليم والصحة والشغل والإدارة، وفتح قنوات الحوار الجاد مع مختلف الأطراف المجتمعية، بعيدا عن هدر الوقت في التجاذبات السياسوية…

 

الجمعة 28 ابريل 2017.