من بين التحولات الكبرى التي عرفها المغرب، بعد أن انتشر الفكر الرجعي، بقوة، بروز طبقة من الفقهاء، تطلق على نفسها نعوت علماء أو مشايخ، نصبوا أنفسهم سلطة دينية، يفتون ويُكٓفِرّون ويخرجون كل من حاول الاجتهاد، من الملة ومن الجماعة، فقط لأن هذه الطبقة تتقمص دور الكهنوت، ولأنها متخلفة، تُرٓوّجُ إيديولوجية ظلامية، تحارب التطور والتجديد.

في كل مرة يتم التعبير فيها عن الدعوة للاجتهاد، في قضايا الأسرة والميراث، وغيرها من الإشكالات الاجتماعية والقانونية، التي تقتضي معالجة لتجاوز مخلفاتها السلبية، والبحث عن إمكانات تأويل مختلف للتقليد السائد، في إطار ما يسمح به النص الديني، إلا و تنبري هذه الطبقة من شيوخ الظلام، لتُرهب المجتهدين، وترمي في حقهم أبشع التهم وأقسى درجات التشهير والتكفير.

لقد عاش المغرب، منذ أن تم الإعلان، في عهد حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، أكبر حملة مضادة للتغيير والتقدم، عندما وقف آنذاك الرجعيون، ضد خطة إدماج المرأة في التنمية، وقالوا فيها الكثير، من قبيل أنها مناقضة للشريعة وأنها نتاج مخطط لضرب الإسلام، وحاولوا ربطها بالإمبريالية والصهيونية، لكنهم خضعوا في نهاية المطاف، للواقع الذي أرغمهم على ابتلاع مدونة الأحوال الشخصية، التي تطبق اليوم، دون أن يكون الشعب المغربي، لقمة سائغة في يد الغرب والملحدين والمثليين، كما كانوا يٓدّعون.

غير أن الكهنوت يعتبر أن هزيمته في معركة، لا تعني خسارته للحرب، بل إن مبرر وجوده، هو الاستمرار في تٓقٓمّص دور حارس القيم والدين، وهو رأسمال رمزي، لا ينضب، مادامت له القدرة على استلال سيف المرجعية التراثية، في تفسيراتها الأكثر تخلُّفا، اللاتاريخية والماضوية.

هذه الآلية عاشتها مجتمعات أخرى، عانت من آفة الكهنوت، الذي يجعل نفسه فوق الجميع، أي فوق المجتمع والعلم والاجتهاد، لذلك كانت مقاومته على رأس برامج الحركات الثورية الديمقراطية، وكان التٓحٓرّرُ منه بداية تخليص الشعوب من التخلف والظلم وأغلال الماضي.

هذا على مستوى المضمون، أما على مستوى الشكل، فإن الكهنوت المغربي، والعربي، بصفة عامة، يبدع في اللباس، حيث يستلهم كثيراً في هيأته الخارجية، هندام المسلسلات التاريخية، التي تقدم في القنوات العربية، خاصة خلال شهر رمضان، حيث يتماهى الواقع والخيال.

 

الجمعة 28 ابريل 2017.