أعتقد أن هذا هو المسار الذي يتحرك فيه العالم اليوم. إن الديموقراطية هي اليوم الإطار العام الذي يجري فيه الصراع التاريخي، فكل الطبقات وجميع الفئات المتصارعة تعمل اليوم على خوض الصراع من أجل فرض مصالحها بالوسائل التي تدخل في إطار الديموقراطية. وكثير منها وسائل ذات حدين: كالعولمة والمعلوميات والاتصالات الخ.

 

1- من “الانتقال إلى الاشتراكية” … إلى التحول إلى الديموقراطية!

يسود الساحة السياسية والفكرية اليوم، في معظم الأقطار التي كانت تصنف من قبل كـ “عالم ثالث”، شعار يكاد يكون الشعار السياسي الوحيد الذي لا اعتراض عليه، شعار “التحول إلى الديموقراطية”. وبما أنه كما وصفنا فهو يضمر شعارا آخر هو: “الديموقراطية هي الحل”!

ومع أن هذا الشعار ليس جديدا فإن ما يلفت النظر أن استعادته اليوم تتم بنوع من “التعلق” شبيه بذلك الذي يحظى به عادة “الخاتم السحري” الذي يحل جميع المشاكل، وفي مقدمتها مشكلة هذا “الخاتم السحري” ذاته. ذلك لأنه لا أحد يطرح المشاكل الخاصة بهذا “الخاتم”، بل هي تلغى إلغاء وتسقط من الحساب تماما، بمجرد ما يبدأ التعلق به.

“الديموقراطية هي الحل”! هي الحل لمشكل حقوق الإنسان ولمشكل الحريات العامة، ولمشكل التعسف في السلطة، ولمشكل استغلال النفوذ، ولمشكل البطالة، ولمشكل الفقر الخ. ولكن هل الديموقراطية هي الحل لمشكل “الديموقراطية” نفسها، حضورها أو غيابها؟ وهل إذا تحقق قسط منها خفت الحاجة إليها كلها؟ وأين تبتدئ وأين تنتهي الديموقراطية؟ وإذا ما تحققت فهل تغني عن غيرها من الشعارات والمطالب؟ ثم من أين يجب أن تبدأ عملية التحول إلى الديموقراطية؟

أسئلة متناسلة لا حصر لها!

ومهما يكن الجواب فإن الشيء الوحيد الذي يستطيع كاتب هذه السطور تقريره وتأكيده هو الدرس الذي استخلصه من التجارب التي جرت أمام ناظريه في العالم العربي بما فيه المغرب، وهي صنفان: صنف رفع شعار “الثورة ضد فساد” ما كان موجودا من “الديموقراطية”، فأراد أن يحقق مضمون الديموقراطية بوسائل تقع خارج الديموقراطية. لقد انتهت هذه التجارب إلى تكريس غياب الديموقراطية وأنتجت، من بين ما أنتجته، فسادا خاصا بها. والفساد في جميع الأحوال فساد. لم يكن من الممكن إذن الانتقال إلى الديموقراطية بوسائل غير ديموقراطية، وهل يؤدي الجوع إلى الشبع! إن فكرة “وداويني بالتي كانت هي الداء” فكرة انتحارية، ولا يمكن أن تكون شيئا آخر. ليست هناك مفاضلة في الاستبداد، والاستبداد لا يثمر نقيضه، هو يعيد إنتاج نفسه، إما في صورة استبداد أعتى، أو في صورة فوضى عارمة!

أما التجربة المغربية التي لم ترفع شعار “الثورة ضد الفساد” وفضلت الاحتفاظ به وسارت في اتجاه تنميته إلى أن حصل الاقتناع مؤخرا -تحت ضغط هذا العامل أو ذاك- بالدخول في مرحلة ما نسميه الآن بـ “التحول نحو الديموقراطية”، فقد أثبتت، إلى حد الآن على الأقل، أنه يمكن أن يكون هناك قدر كبير من الحريات العامة، حرية التعبير وحرية التجمع وحرية تكوين الأحزاب وحرية الاحتجاج، وقدر أكبر من الكلام عن الديموقراطية والتنويه بها من القمة إلى القاعدة الخ، ومع ذلك تبقى الديموقراطية مطلوبة، وأكثر من ذلك تبقى أسئلة “الانتقال إلى الديموقراطية” مطروحة ربما بحدة أكبر!

وما نهدف إليه في هذا المقال هو القيام بنوع من المناقشة لهذه الأسئلة -أسئلة الانتقال إلى الديموقراطية- التي نحصرها في ثلاثة رئيسية تتفرع عنها أخرى ليس من الممكن ولا من المفيد إحصاؤها، فهي تتوالد وتتناسل كجميع الأسـئلة التي تخص شأنا من شؤون الحياة. ولذلك فسنقتصر منها على ما يطرح نفسه علينا ونحن نخوض في الأسئلة الرئيسية التي سنمحورها حول مفهوم “الانتقال”، أو “التحول”، فنقول:

من البين بنفسه أن “الانتقال”، أيا كان، يطرح ثلاثة أسئلة جوهرية، هي: من أين؟ وإلى أين؟ وكيف؟

أما سؤال “إلى أين؟”، بخصوص موضوعنا، فالعنوان يجيب عنه. ولكن يبقى أن نحدد مضمون هذه “الديموقراطية” التي نريد الانتقال إليها.

وأما “من أين؟” فهذا هو المسكوت عنه غالبا، باعتبار أن الانتقال يكون من الوضعية التي “نحن فيها”، والتي يفترض أنها معروفة.

غير أن هذا السكوت يصبح غير محتمل، بل غير ممكن، عندما يطرح السؤال الثالث نفسه: “كيف ؟”، إذ كيف يمكن تحديد كيفية الانتقال بدون معرفة دقيقة وصحيحة للوضع الذي يكون منه هذا الانتقال؟ وتزداد المسألة تعقيدا عندما تكون المسافة بين الوضع الذي يراد الانتقال إليه والوضع الذي يراد الانتقال منه تفتقد إلى عناصر الاتصال التي تقيم جسورا بين الوضعين، مما يجعل من مطلب “الانتقال” إشكالية نظرية وعملية، وليس مجرد مشكل.

ويبدو أن نوعا من التدرج يفرض نفسه عند طرح أي مطلب. ففي المرحلة الأولى، عندما تكون “القضية” هي المطالبة نفسها -أعني طرح الطلب- فقد يكفي تعيين المطلَب. والشعارات السياسية هي في الغالب مطالب من هذا النوع، على الأقل في بدايات طرحها؛ فهي تركز على “المطلب” الذي يقع في جواب “إلى أين؟” وتغيِّب، لسبب أو آخر، السؤالين الآخرين: سؤال “من أين” وسؤال “كيف”! أما عندما يكون الـمَطْـلَب بصدد تجاوز مرحلة المطالبة إلى مرحلة الإنجاز فإن سؤال “كيف؟” يفرض نفسه. وواضح أن تحديد الكيفية التي يتم بها الانتقال يتطلب المعرفة بالمعطيات التي يكون عنها. إن طرح سؤال “من أين؟” يغدو حينئذ ضروريا.

والوضع الذي يقع في جواب “من أين؟” صنفان : صنف قائم أصلا وهو الذي يراد تغييره، وهو في حال مطلب الديموقراطية “الوضع اللاديمقراطي”. وصنف لم يتحقق لكونه بقي سؤالا أو مطلبا صرف النظر عنه في وقت من الأوقات بصورة أو أخرى، ولسبب أو آخر. ذلك أن أي سؤال جديد إنما يقوم في أعقاب سؤال قديم، كما أن أي اختيار جديد هو في الغالب بديل لاختيار سبقه لم يتحقق، أو لم يعد يفي بالمطلوب. والحق أن المطلب الوحيد الذي يبقى صالحا في كل وقت لا وجود له في الواقع، فما يوجد فعلا هو جملة مطالب تتوالى، يحل بعضها محل بعض ويقوم بعضها بديلا لبعض، سواء تحقق من السابق شيء أو لم يتحقق. قد يكون الانتقال من مطلب إلى مطلب راجعا إلى ظهور صعوبات تجعل تحقيق المطلب السابق أمر صعبا، وقد يكون بسبب أن الوسائل غير كافية، أو أن الظروف قد تغيرت بصورة تستوجب تغيير المطلب أو الوسيلة، أو كليهما الخ.

نقول هذا ونحن نفكر بصورة خاصة في المطلب الذي كان سائدا قبل مطلب الديموقراطية السائد اليوم. ولكي يأخذ شبابنا، من الجيل الذي لم يعانق مطالب الأمس، صورة واضحة عن المسألة التي نحن بصدد طرحها، نرى من المفيد سرد المعطيات التالية التي أصبحت جزءا من التاريخ.

 

لنرجع قليلا إلى الوراء، إلى الوقت الذي كان فيه شباب اليوم في عالم الغيب، أو مجرد صبيان لا مطالب لهم غير المطالب الجسمية المباشرة… لنرجع إلى الوراء ثلاثين أو أربعين سنة لنقارن بين “الانتقال” الذي كان مطلوبا آنذاك و”الانتقال” المطروح اليوم. إن عبارة “الانتقال إلى الديموقراطية” تستدعي اليوم –في أذهان الذين عانقوا قبل ثلاثين أو أربعين سنة ما كان سائدا من قضايا إيديولوجية- عبارة مماثلة كانت تلخص الإشكالية المطروحة آنذاك، أقصد عبارة : “الانتقال إلى الاشتراكية”. وما يهمنا هنا ليس التأريخ لهذه الإشكالية بل تبيان نوع العلاقة التي يمكن إقامتها بينها وبين إشكاليتنا اليوم. إن ذلك سيعيننا على تحديد مضمون الأسئلة الثلاثة الرئيسة التي يدور حولها موضوعنا.

كان “الانتقال إلى الاشتراكية”، يلخص “قضية” العالم الثالث في الستينات والسبعينات، وقد صيغت آنذاك صياغة إشكالية كما يلي: “كيف يمكن تحقيق الاشتراكية في بلد متخلف”؟ كان الجواب السائد يتلخص في كلمة واحدة :”الثورة”. وبما أن الأمر يتعلق بـ “بلد متخلف” فلم يكن واردا أن تقوم بالثورة طبقة عاملة صناعية مهيمنة (البروليتاريا)، كما كان يُنتَظَر أن يحدث ذلك في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر، وكان ذلك هو جوهر الماركسية، ماركسية ماركس وإنجلز. ولم يكن واردا أيضا أن يقوم بالثورة في البلدان المتخلفة “تحالف العمال والفلاحين” كما حدث في روسيا التي قاد لينين ثورتها فأصبح ذلك التحالف جوهر اللينينية، أو كما حدث في الصين التي قاد ماوتسي تونغ مسيرتها الثورية الطويلة. ذلك لأن الهيمنة على المجتمع في “البلدان المتخلفة” –أو التي هي في “طريق النمو”- لم تكن لا للعمال ولا للفلاحين، ولا لهم مجتمعين، ولم يكونوا مجتمعين ولا منظمين.

في “البلدان المتخلفة” التي سميت بعد بـ”العالم الثالث”، كما وصفت “تأدبا” بـ “البلدان التي هي في طريق النمو”، ومعظمها خرج من الاستعمار في الخمسينات والستينات لتشكل دولا “حديثة”، في هذه البلدان، إذن، كانت القوة المنظمة الوحيدة هي الجيش الذي بادر فعلا في كثير من البلدان إلى تغيير الوضع “مع الفجر” ليواصل الحكم في الغالب من خلال حزب وحيد ينشئه إنشاء. وقد رافق ذلك بطبيعة الحال تغييب الديموقراطية السياسية، ليس فقط بالإعراض عنها بل أيضا بالقدح فيها وفي جدواها، خصوصا بعد التجارب التي عرفتها بعض هذه البلدان والتي نخرها الفساد نخرا، كما حدث في مصر وسورية وغيرهما من البلدان بعد الاستقلال وقبل “ثورة” العسكر.

2- هل يلغي شعار “الديموقراطية” بديله السابق: “الاشتراكية”؟

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشيوعي وفشل التجارب الاشتراكية في العالم الثالث عموما، حل شعار “التحول إلى الديموقراطية” محل شعار “الانتقال إلى الاشتراكية”. وهذا بعد أن كان شعار الديموقراطية، وإلى عهد قريب، من الشعارات التي كانت تعتبر متجاوزة وبالتالي تصنف ضمن أشياء الماضي. ذلك أن شعار الديموقراطية قد ارتبط في التاريخ الحديث بما كان يعرف، في الخطاب الماركسي خاصة، بـ “الثورة البورجوازية” بوصفها “ثورة على الإقطاع” وجسرا إلى الثورة الاشتراكية.

ومن منظور الخطاب اليساري أو التقدمي عموما كان ينظر إلى القرن العشرين –في أوربا خاصة- على أنه قرن “الانتقال إلى الاشتراكية”، الشيء الذي يعني الانتقال من الديموقراطية السياسية البورجوازية إلى الديموقراطية الاجتماعية العمالية. وعندما قامت الثورة الروسية إثر الحرب العالمية الأولى، ونجحت إثر الحرب العالمية الثانية في تشكيل معسكر دولي حولها واستقطاب معظم الحركات الاشتراكية في العالم، صار الحديث عن “الديموقراطية” يعتبر عند هذا المعسكر انحرافا يمثل ردة إيديولوجية وموقفا سياسيا معاديا.

أما اليوم، ومنذ سقوط المعسكر الشيوعي، قبل عقد ونصف من الزمن، وانفراد خصمه المعسكر الرأسمالي بالعالم، فقد انقلب الوضع رأسا على عقب: فبدلا من شعار “الانتقال إلى الاشتراكية” صار المطروح هو “الانتقال إلى الديموقراطية”، وبدلا من اعتبار الحديث عن الديموقراطية ردة أيديولوجية وموقفا معاديا صار الحديث اليوم عن “الشيوعية” شبه مستحيل. أما شعار “الاشتراكية” فلم يعد يقبل إلا إذا خصص بالديموقراطية ليصبح “الاشتراكية الديموقراطية”، وهو نفسه الشعار الذي كانت “الشيوعية” تعتبره انحرافا يستوجب الطرد والعقاب. وأكثر من هذا صار اليوم عدم تبني حكومة ما لـ “خيار الديموقراطية”، أو تلكؤها في تبنيه، يعرضها لعزلة أو عقوبات اقتصادية وغيرها، يفرضها عليها ما يطلق عليه اليوم اسم “المجتمع الدولي”: “المجتمع” الذي يتكون أساسا من مجموعة الدول التي كانت تعرف في النصف الأول من هذا القرن بـ “الدول العظمى”، والتي أطلقت على نفسها بعد الحرب العالمية الثانية اسم “العالم الحر” بينما أطلق عليها خصومها اسم “الإمبريالية العالمية”.

أسماء وشعارات كانت بالأمس القريب تملأ الساحة في كل مكان، أما اليوم فقد صارت مجرد ذكريات!

وليست الشعارات والأسماء هي وحدها التي حل بعضها محل بعض، بل لقد حدث ذلك على مستوى الأسئلة والإشكاليات أيضا. ومن الأسئلة الجديدة التي لابد من طرحها أمام هذه التحولات السؤال التالي:

هل يلغي شعار “الانتقال إلى الديموقراطية” بديله السابق: “الانتقال إلى الاشتراكية”؟. وبعبارة أخرى : إذا كانت الشعارات السياسية والإيديولوجية التي تسود في مرحلة تاريخية معينة تعكس ولا بد، بصورة من الصور، شيئا ما في الواقع الموضوعي، قد نسميه صراعا سياسيا أو علاقات اجتماعية أو حاجات وتطلعات الخ ، فهل يعني شعار الساعة “الانتقال إلى الديموقراطية” أن الظروف والمعطيات الواقعية التي كان يعكسها أو يعبر عنها بصورة ما، بديله السابق له (شعار “الانتقال إلى الاشتراكية”)، هي ظروف ومعطيات تم تجاوزها ولم تعد قائمة؟

سؤال يتفرع إلى أسئلة إذا ربطناه بنوع البلد الذي يطرح فيه. وفي هذا الصدد يمكن التمييز بين ثلاث حالات على الأقل:

الحالة الأولى حالة الأقطار الغربية الرأسمالية: والسؤال الذي يخصها هو : هل تمكنت الديموقراطية التي استقرت فيها منذ قرنين من الزمن من تجاوز الحاجة إلى “الانتقال إلى الاشتراكية” وكيف؟ علما بأن شعار “الانتقال إلى الاشتراكية” إنما طرح فيها هي بالذات، أول ما طرح، وأنه كان ينظر إليه بوصفه يعبر فيها، أكثر من غيرها، عن حاجة تاريخية!

الحالة الثانية هي حالة البلدان التي كانت تشكل المعسكر الشيوعي والتي تعيش اليوم، بصورة أو بأخرى، وضعية “الانتقال إلى الديموقراطية”! والسؤال الذي يخص هذه الحالة هو التالي: هل تمكنت “الاشتراكية” التي استقرت في هذه البلدان لمدى عقود، تتراوح بين نصف قرن وثلاثة أرباع القرن، من تجاوز الظروف التي كانت تقف فيها وراء الحاجة إلى الاشتراكية؟

أما الحالة الثالثة والأخيرة فهي حالة البلدان التي كان يطلق عليها اسم “العالم الثالث” وهي التي “خرجت” من الاستعمار، لا هي رأسمالية ولا هي اشتراكية، وإنما توصف بكونها “بلدانا متخلفة” أو “في طريق النمو” –(تأدبا فقط إذ يجب معرفة ماذا ينمو فيها هل هو “التخلف” نفسه أم غيره؟!). في العالم الثالث إذن، كان ينظر إلى الاشتراكية على أنها الطريق “الوحيد” للخروج من “التخلف”، فهل نحمِّل الديموقراطية اليوم هذه المهمة؟

الحالتان الأولى والثانية تقعان خارج اهتمامنا هنا، وإن كان من المفيد طرح سؤال “التحول إلى الديموقراطية” بصددهما، خصوصا وفيهما بلدان حدث فيها هذا التحول ولها تجربتها الخاصة. من ذلك مثلا إسبانيا التي تحولت من ديكتاتورية فرانكو إلى الملكية الدستورية على النمط الأوربي المعاصر حيث يملك الملك ولا يحكم. ومن ذلك أيضا البرتغال التي تحولت إلى الديموقراطية من ديكتاتورية سالازار إلى نظام جمهوري ديموقراطي يساري. هاتان التجربتان تنتميان إلى الحالة الأولى لأن التحول فيهما جرى في إطار الرأسمالية. أما الديموقراطيات الناشئة في البلدان التي كانت تنتمي إلى المعسكر الشيوعي، وتقع في أوربا الشرقية، فالتحول إلى الديموقراطية قد جرى ويجري فيها مصحوبا بالتحول من “الشيوعية” إلى الرأسمالية.

هذه التحولات التي عرفها الربع الأخير من القرن العشرين لم تحظ بعد بما تستحقه من دراسة واهتمام. ومن المثير للانتباه حقا أن تنصرف –أو تصرف- الأذهان إلى موضوعات ثانوية وأحيانا مصطنعة، مثل “نهاية التاريخ” و”صدام الحضارات” و”الخطر الإسلامي”، ولا يعار ما ينبغي من الدراسة والبحث لتجارب شعوب ودول شغلت الإنسانية أكثر من ثلاثة أرباع القرن!

لنقتصر على تسجيل هذه المفارقة ولننتقل إلى ما يتصل بموضوعنا مباشرة لنقول: إنه عندما يطرح شعار الديموقراطية في البلدان التي في طريق النمو لا ينبغي أن يطرح كشعار بديل أو مقابل أو مغاير لما تعنيه الاشتراكية كمضمون. ذلك أن الحاجات والمعطيات التي كانت تبرر شعار الاشتراكية قبل بضعة عقود ما زالت قائمة، وهي اليوم ليست أقل حدة وإلحاحا من المعطيات التي تبرر وتؤسس فيها الحاجة إلى الديموقراطية. ومن هنا يجب القول –في نظري- إن العلاقة بين الديموقراطية والاشتراكية في هذه البلدان من نوع علاقة الشكل بالمضمون: الديموقراطية شكل سياسي والاشتراكية مضمون اجتماعي. وبعبارة أخرى إن الديموقراطية التي تطمح شعوب هذه البلدان إلى الانتقال إليها ليست الديموقراطية السياسية فقط بل الديموقراطية السياسية والديموقراطية الاجتماعية معا.

أعتقد أن هذا هو المسار الذي يتحرك فيه العالم اليوم. إن الديموقراطية هي اليوم الإطار العام الذي يجري فيه الصراع التاريخي، فكل الطبقات وجميع الفئات المتصارعة تعمل اليوم على خوض الصراع من أجل فرض مصالحها بالوسائل التي تدخل في إطار الديموقراطية. وكثير منها وسائل ذات حدين: كالعولمة والمعلوميات والاتصالات الخ. وعلى العموم يجري الصراع على هذا المسار على مستويين : في البلدان التي استقرت فيها الديموقراطية السياسية يجري الصراع من أجل إعطاء هذه الديموقراطية المضمون الاجتماعي الاشتراكي الذي يخفف من غلواء الليبرالية ويحقق الحد الأدنى من العدالة. أما في البلدان التي ما زالت تعاني من الحكم اللاديموقراطي فالصراع قائم فيها، بصورة أو بأخرى، من أجل مقومات الديموقراطية السياسية بدءا من “حقوق الإنسان” إلى التعبير الديموقراطي الحر واعتبار الشعب مصدر السلطات، إلى المضمون الاجتماعي للديموقراطية.

والذي يحدد طبيعة المسار ونوع الصراع السائد فيه والآفاق التي ينشد إليها هو خصوصية كل بلد. فلننظر في خصوصية المغرب بلدنا.

هذا ينقلنا إلى السؤال “من أين؟”.

3- من أين؟ … مقارنات!

كان الكلام يدور في الفقرات الماضية حول سؤال “إلى أين؟”، وكان الهدف من الأسئلة التي طرحناها والقضايا الاستطرادية التي أثرناها هو التدقيق، بقدر ما يسمح به المقام، في معنى “الديموقراطية” عندما نضعها كمطلب يلخص حاجاتنا في الظرف الراهن. وقد انتهينا إلى أن هذا المطلب لا يلغي المطلب السابق الذي كان يعبر عنه شعار “الاشتراكية”، بل يحتويه احتواء الشكل للمضمون. وقلنا إن هذا الترابط بين الديموقراطية كأسلوب للحكم والتغيير والتجديد وبين الاشتراكية كنظام للعدالة الاجتماعية هو ما يشكل مسار العصر للبشرية جمعاء في المرحلة الراهنة من تطورها. إنه المسار الذي بدأ يتبلور بوصفه الوجه الإيجابي لما يسمى بـ” العولمة”.

مسار واحد وهدف واحد، ولكن الطرق والمراحل تختلف، لأن شعوب الأرض ليست على درجة واحدة من التطور. هناك شعوب حققت الديموقراطية السياسية وقطعت أشواطا في تحقيق العدالة الاجتماعية، وهناك بالمقابل بلدان لم تحقق الديموقراطية بعد وهي أبعد ما تكون عن العدالة الاجتماعية، وهذه هي التي تعيش اليوم، بصورة أو بأخرى، الحاجة إلى “الانتقال إلى الديموقراطية” كشكل للنظام السياسي وصولا إلى”الاشتراكية” كمضمون للنظام الاجتماعي.

وإنما قلنا “بصورة أو بأخرى” لأن هذه البلدان ليست على درجة سواء في هذا الأمر. قد يجمعها اسم واحد كـ “البلدان المتخلفة”، أو “البلدان التي في طريق النمو”، أو “العالم الثالث”، ولكن لا يجمعها إلا كونها تعاني، بهذه الدرجة أو تلك، من غياب الديموقراطية، أي من الحاجة إلى “الانتقال إلى الديموقراطية”. وهي “حاجة” إشكالية، أعني أنها تطرح سؤالا إشكاليا.

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك في فقرة سابقة، كانت الإشكالية النظرية والعملية التي استبدت بأنظار المفكرين والمنظرين في الستينات والسبعينات في الدول المتخلفة خاصة تصاغ كما يلي : “كيف يمكن تحقيق الاشتراكية في بلد متخلف؟”. وقد رأينا كيف أن استعصاء الجواب النظري قد فسح المجال لجواب عملي حل محله وهو “الثورة” التي تقوم بها القوة المنظمة الوحيدة في هذه البلدان ، أعني الجيش الذي يبدأ بالإجهاز على ما كان قائما من مظاهر “الديموقراطية” ليختبئ، بصورة أو أخرى، وراء حزبه الوحيد.

واليوم وقد حل مطلب الديموقراطية محل شعار الاشتراكية يبدو وكأن نفس السؤال الإشكالي يفرض نفسه مرة أخرى: “كيف يمكن الانتقال إلى الديموقراطية في بلد متخلف؟”. وإنما يكتسي هذا السؤال طابعا إشكاليا بالنظر إلى أن الديموقراطية الحديثة إنما قامت في أوربا كنتيجة لثورة الطبقة الوسطى، تماما كما كان ينتظر أن تقوم فيها الاشتراكية نتيجة ثورة الطبقة العاملة! فهل هذه الطبقة الوسطى مهيأة في العالم الثالث اليوم للقيام بهذه المهمة: مهمة الانتقال إلى الديموقراطية؟ هل تستطيع تنحية دولة العسكر وحزبها في البلدان التي تحرك فيها العسكر باسم “الثورة”؟ وهل تستطيع تغيير “إصلاح” الدولة القائمة على أسس غير ديموقراطية، في البلدان التي لم تعرف مثل هذا التحرك؟

تنقلنا هذه الأسئلة مباشرة إلى سؤالنا الرئيسي الأول: “من أين؟”، من أي وضع غير ديموقراطي يكون الانتقال إلى الديموقراطية في المغرب؟

لو كان الأمر يتعلق ببلد عاش في الستينات إشكالية “الانتقال إلى الاشتراكية”، كالجزائر ومصر مثلا، لكان الجواب عن سؤال “من أين؟” واضحا وسهلا. فالمرحلة التاريخية التي ميزت الوضع، حين طرح هذا الشعار في هذين البلدين، هي مرحلة “الثورة” التي دشنت قطيعة مع الماضي (الماضي الملكي في مصر والماضي الاستعماري في الجزائر) لتقيم حكم العسكر الوطني وحزبه الوحيد. وبما أن الاشتراكية لم تتحقق في هذين البلدين، فإن الانتقال إلى الديموقراطية فيهما يعني إذن، كخطوة أولى على الأقل، الانتقال من الحكم العسكري إلى الحكم المدني ومن الحزب الوحيد إلى التعددية الحزبية، الشيء الذي يعني عودة الجيش إلى ثكناته كجيش محترف من جهة، وترك الأحزاب تشكل الحكومة بدل تشكيل الحكومة لحزبها الوحيد. تلك هي الخطوة الأولى.

واضح أن وضع المغرب يختلف: فهو لم يعرف قط حكم العسكر بهذا المعنى، كما أن التعددية الحزبية متحققة فيه منذ الاستقلال. ومع أنها تعددية مقلوبة، إذ كانت تصنع من أعلى وليس من أسفل، فإن هناك مؤشرات تدفع إلى الأمل في تصحيح الوضع والدخول في مرحلة تشكيل الحكومة بواسطة أحزاب مستقلة عن الإدارة، صانعة التعددية من قبل.

هل تتطابق الوضعية في المغرب مع وضعية بلد كإيران؟ هناك فعلا أوجه شبه كثيرة: فالعسكر هنا وهناك داخل ثكناته خارج المسرح السياسي، تقريبا. والتعددية الحزبية متوفرة في البلدين إما على صورة أحزاب وإما على شكل تيارات. والشبه قوي بين بنية الدولة هنا وبنيتها هناك، ويتمثل خاصة في وجود رئيس حكومة إصلاحي هنا وهناك يحظى كل منهما بتأييد شعبي ودولي واسع، ولكن مشكلتهما أنهما لا يمارسان السلطة لأن مراكز القرار ليست في أيديهما، بل هي في أيدي القوى المحافظة التي تعترض سبيل التغيير والإصلاح بشكل أو بآخر، على الرغم من أنهما يجنحان إلى الإصلاح بهدوء، ويتحركان بتبصر، ويتحملان انتقادات أنصارهما وخصومهما بصبر. ويمكن أن نضيف شيئا ما من التشابه بين موقف قمة الدولة هنا وقمة الدولة هناك. فالملك محمد السادس ومن قبله والده المرحوم الحسن الثاني لم يبخلا على اليوسفي وحكومته بضروب من التنويه، والمرشد العام في إيران لا يعارض خاتمي صراحة بل يظهر تأييده له.

ومع ذلك فوراء هذا التشابه المثير للانتباه يقوم اختلاف كبير على مستوى “من أين؟” لا يجوز إغفاله. ذلك أن الانتقال إلى الديموقراطية يتم في إيران من “الثورة” التي قادها رجال الدين الشيعة. وللشيعة مفهوم خاص للحكم يختلف عن المفهوم الذي نجده في المغرب قديما وحديثا. أضف إلى ذلك أن القوى المحافظة المقاومة للتغيير معروفة في إيران بأشخاصها ومراكز نفوذها وهي تقوم في وجه الإصلاح بصورة علنية، وفي إطار من الصراع مكشوف.

أما في المغرب فالقوى المقاومة للإصلاح صنفان:

صنف مكشوف يقاوم الإصلاح باتهام الحكومة بالعجز عن القيام بالإصلاح، أو على الأقل بكونها تمارسه ببط ء! وهذا الاتهام ينتمي إلى ذلك الصنف الذي يقال فيه : “كلمة حق أريد بها باطل”: هناك بط ء فعلا وهذا حق. ولكن التنديد به من طرف القوى التي صنعت الإرث الذي يجعل الإصلاح اليوم ضرورة ملحة تنديد لا يمكن أن يدخل في دائرة الحق. بل هو “حق” مزيف يراد به أو يمكن أن يراد به باطل. ذلك أن اتهام قوى الإصلاح بالعجز عن الإصلاح معناه التشكيك في صلاح الإصلاح الذي تدعيه، وبالتالي يكون إبقاء ما كان على ما كان هو عين “الإصلاح”.

أما الصنف الثاني من القوى المناهضة للإصلاح فهو “خفي” لا يتكلم لا في البرلمان ولا على صفحات الجرائد، وبعض العارفين يطلقون عليه “جماعة الضغط”، وبعضهم يسميه بـ “الحزب السري”. ونحن لا ندري هل ستتطور الأمور إلى وضع شبيه تماما بالوضع الذي في إيران حيث يتم الصراع بالمكشوف أم أن حكمة “التراضي” المغربية ستتغلب في نهاية المطاف على ما يحتمل من ردات إلى الوراء!!

كل ما يمكن الجزم به اليوم هو أن الوضع في المغرب غيره في إيران على الأقل من حيث إن الصراع هناك بالمكشوف أما هنا فهو يتم في إطار “التراضي”. أضف إلى ذلك فرقا آخر على جانب كبير من الأهمية وهو أن الانتخابات هناك تمر نزيهة، والأصوات التي تتحدث عن التزوير قليلة أو غير موجودة بالمرة. أما في المغرب فالإجماع الوحيد، الذي وراءه مضمون صادق مائة بالمائة، هو الإجماع القائم على أن جميع التجارب الانتخابية الماضية كان التزوير عنصرا هيكليا فيها!

نخلص من هذه المقارنات إلى أن الجواب عن سؤال “من أين يكون الانتقال إلى الديموقراطية”، عندما يتعلق الأمر بالمغرب، لن تفيد فيه المقارنة لا مع الجزائر ولا مع مصر ولا مع إيران، بل ولا مع أية دولة أخرى في العالم إلا الفائدة السلبية التي تبرز الاختلاف وتؤكد الخصوصية. وإذن فلا يبقى أمامنا إلا مقارنة المغرب مع المغرب نفسه.

وأنا أستعمل هنا كلمة “مقارنة” قصدا، لأنه عندما يتعلق الأمر بموضوع يمت إلى عالم الاجتماع والسياسية فإن المقارنة تفرض نفسها صراحة أو ضمنا. ذلك أننا في العلوم الاجتماعية والسياسية لا نقوم بالتجارب في المخبر كما يفعل الفيزيائي مثلا، بل نقوم بتجارب ذهنية تعتمد أصلا على المقارنة، بنيوية كانت أو إحصائية.

ومع ذلك فلن أسلك هنا طريق الباحث الاجتماعي ولا سبيل المحلل السياسي للجواب عن السؤال المطروح بخصوص المغرب، سؤال: “من أين؟”. لن أجابه الوضع الراهن، لن أتخذه خصما سياسيا ولا موضوعا للتشريح السوسيولوجي أو الإيديولوجي، بل سأحاول التعرف عليه بتوظيف جانب هام من تراثنا الفلسفي. وهذا الاختيار على صعيد المنهج يفي بالغرض. وسيلمس القارئ أنه يمكن أحيانا الكلام في السياسة بواسطة التراث كلاما لا يقل قوة ولا مصداقية عن الكلام فيها بواسطة معطيات الخطاب السياسي المعاصر.

سألجأ إذن إلى ماضي المغرب، وبالضبط إلى شهادة المفكرين الذي وصفوا هذا “الماضي” يوم كان حاضرا يجري مجرى الراهن أمامهم، وبالتالي فلن تكون مرجعيتي هنا هي نفس مرجعية الكلام عن الديموقراطية في أوربا. وبعبارة أخرى لن أستند لا إلى هيجل ولا إلى ماركس ولا إلى مانهايم والقائمة طويلة. ستكون مرجعيتي مغربية مائة في المائة، وإذا كان فيها شيء ما من “خارج المغرب” فمستندي سيكون رأي الفلاسفة والمفكرين المغاربة في ذلك الشيء، وليس ذلك الشيء نفسه.

4– بين “المدينة الفاضلة” … و”اجتماع البيوتات”

من أين يكون الانتقال إلى الديموقراطية؟ سؤال سيصبح أوضح إذا نقلناه إلى المشخص. والمعنى المشخص للديموقراطية هو أنها طريقة معينة في الحكم. فكيف يكون الانتقال من طريقة في الحكم إلى أخرى، وبعبارة موجزة : كيف تتعاقب نظم الحكم؟

إذا طرحنا هذا السؤال على الفلسفة فإنها ستحيلنا بكل تأكيد على أفلاطون. أما إذا طرحناه على الفكر الفلسفي العربي في المغرب وخارج المغرب فإنه سيشير علينا بابن رشد أولا، ثم بابن خلدون ثانيا، وليس هناك ثالثا!

ولسائل أن يسأل : ولماذا لا تطرح هذا السؤال على غيرهما من مفكري الإسلام من متكلمين وأصوليين ومؤرخين ومؤلفين في “نصائح الملوك” و”الآداب السلطانية” الخ؟

نقول جوابا على هذا السؤال الاعتراضي: إن هؤلاء جميعا دأبوا على اختزال مسألة الحكم في التاريخ الإسلامي كله في القول: “بدأ الحكم في الإسلام خلافة (مع الخلفاء الراشدين) ثم انقلب إلى ملك عضوض” (مع معاوية). وإذا كانوا قد تكلموا في “الخلافة” كثيرا، بكلام مكرور في الغالب، فقد سكتوا عن بيان طبيعة هذا “الملك العضوض” الذي يغطي تاريخ الإسلام كله، باستثناء ثلاثين سنة من الخلافة الراشدة. سنترك هؤلاء، إذن، لننتقل إلى الفلاسفة الذين عرفوا من خلال أفلاطون تفاصيل كثيرة ودقيقة عن طبيعة “الملك العضوض”، وعن أصنافه، وعن كيفية تعاقب هذه الأصناف وتحول بعضها إلى بعض. وسنضيف إليهم ابن خلدون الذي قام بمحاولة أصيلة لتفسير طبيعة هذا “الملك العضوض” من داخل التجربة الحضارية العربية الإسلامية.

لقد شاع عن أفلاطون أنه صاحب “المدينة الفاضلة” التي اعترف هو نفسه أنها يصعب أن تقوم على الأرض، وإنما مكانها “في السماء”، سماء “المثل” التي تتحقق فيها نماذج الأشياء، ومنها نظم الحكم، على أجمل صورة وأكمل ما يكون الشيء. وهذا صحيح. ولكن صحيح أيضا أن أفلاطون قد حلل وشرَّح النظم الأخرى من الحكم غير الفاضل، نظم المدن المضادة للمدينة الفاضلة. وإذا كان في حديثه عن المدينة الفاضلة يميل إلى الخيال والحلم فهو في تحليله الخالد حقا لمضادات هذه المدينة –أي لأنواع الملك العضوض وأسراره وخفاياه- أكثر واقعية وأكثر موضوعية وتدقيقا من أي محلل يمكن وصفه بهذه الأوصاف، في العالم القديم.

 

معلوم أن “الديموقراطية” كلمة يونانية وهي مؤلفة من ديموس بمعنى الشعب، وكراتوس بمعنى سلطة أو حكم. فالديموقراطية إذن هي “حكم الشعب نفسه بنفسه”. ولم يكن أفلاطون يحبذ هذا النوع من الحكم لأن التجربة قد دلته على أن العيب الأكبر الذي يصيب “المدينة” التي يتولى فيها الحكم أشخاص من “الشعب” (أو الدهماء) هو جهل هؤلاء وعدم كفاءتهم، ولذلك قرر أن المدينة لا تكون فاضلة إلا إذا شيدت لبنة لبنة بإعداد رجال الدولة والساسة خير إعداد، فيكونون عارفين بشؤون المدينة (الدولة) أكفاء قادرين على القيام بمهامهم خير قيام. ومن هنا ارتأى أن المدينة لا تكون فاضلة إلا إذا كان رئيسها فيلسوفا، وهو ذلك الرجل الواسع المعرفة، الحكيم في تفكيره وسلوكه. لقد نظر إلى رئيس المدينة نظرة الناس إلى الطبيب. فإذا كان من شرط مزاولة مهنة الطب، التي هي حفظ صحة البدن وإزالة المرض عنه، المعرفة الدقيقة بالبدن وبالأمراض وأسبابها وطرق علاجها، فكذلك يجب أن يشترط في رئاسة المدينة الفاضلة أن يكون رئيسها عارفا بشؤون المدينة قادرا على أن يحقق العدالة في تدبيره لها. ولكن أفلاطون انتهى كما قلنا إلى الإقرار بصعوبة قيام مثل هذه المدينة لأن الفلاسفة قليلون ولا يوجدون في كل وقت، وإذا وجدوا فالناس في الغالب لا يسلمون أمرهم إليهم، ثم إن من الفلاسفة أنفسهم من لا يتصفون بما يلزم من الخصال الحميدة التي لا بد منها في رئيس المدينة.

تبقى إذن المدن التي تقوم في الواقع فعلا، وهي أنظمة في الحكم جعلها أفلاطون تتعاقب في كتابه “الجمهورية” كما يلي: حكومة الأرستقراطية Aristocratie التي ترجمت إلى العربية بـ “حكومة الأخيار”، وهي عنده أفضل أنواع الحكم الممكنة واقعيا. وبانحلال هذا النوع تقوم التيموقراطية Timocratie وتعني حرفيا دولة الثروة والقوة العسكرية، وقد ترجمت إلى العربية بـ”رئاسة الكرامة” أو “مدينة الغلبة” لكون أصحابها يسعون إلى “الكرامة”، بمعنى المجد والغنى، عن طريق الفتوحات العسكرية (كما كان الشأن في اسبرطة). وبانحلال التيموقراطية تنشأ الأولغارشية Oligarchie أي حكومة الأقلية من الأغنياء، وقد ترجمت إلى العربية بـ”رئاسة القلة” وبـ”رئاسة الخسة” و”برئاسة خدمة المال” وبـ “رئاسة اليسار”. وبانحلال الأوليغارشية تقوم الديمقراطية Démocratie وهي “حكم الشعب نفسه بنفسه”، وعرف هذا النوع في الترجمات العربية القديمة بـ “الرئاسة الجماعية” وبـ”مدينة الحرية”. فالديموقراطية عند اليونان هي المدينة الجماعية التي يغلب فيها ما هو طبيعي وفطري ولا تتجاوز في الغالب ما هو ضروري، ويكون السؤدد فيها لذوي النسب والحسب. وبانحلال الديموقراطية تعم الفوضى ويكون المآل قيام الحكم الاستبدادي أو الطغيان Tyrannie وقد ترجم هذا المصطلح قديما بـ “مدينة التغلب” أو “رئاسة وحدانية التسلط”.

وهكذا تنحصر نظم الحكم الواقعية بين طرفين، أحدهما حكومة الأخيار (الأرستقراطية ) Aristocratie وهي الأقرب إلى المدينة الفاضلة، والآخر حكومة الطاغية وحداني التسلط Tyrannie وهي في الطرف المقابل الأبعد عن المدينة الفاضلة. وبين هذين الطرفين تتعاقب نظم الحكم عبر التيموقراطية والأولغارشية والديموقراطية.

على أن أفلاطون يعود في مؤلفات أخرى ليصنف الحكومات حسب كونها دستورية تحكم بالقانون أو غير دستورية تحكم بالهوى، وانطلاقا من كون الحكم فيها في يد فرد أو أقلية أو في يد الجميع. وهكذا فالحاكم الفرد قد يكون على رأس حكم ملكي دستوري وقد يكون على رأس حكم استبدادي، والأقلية الحاكمة قد تكون دستورية فتكون حكومتها “حكومة الأخيار” (الأرستقراطية) وقد تكون غير دستورية وحكومتها حكومة الأغنياء (الأوليغارشية)، أما الحكم الجماعي (الديموقراطية) فقد يكون معتدلا وقد يكون متطرفا. وأفضل نظم الحكم حسب هذا المقياس الجديد هي الملكية المقيدة بدستور وبهيئات نيابية تمثل الجميع. إنه نظام في الحكم مركب، يجمع بين الملكية والديموقراطية ويتجنب مساوئهما: يتجنب مساوئ الملكية المطلقة التي تتلخص في حب السلطة والانفراد بها، كما يتجنب مساوئ “الديموقراطية/الجماعية” التي تتمثل في المغالاة في حب “الحرية” (أي عدم الخضوع لأية سلطة). وبالجمع بينهما بالشكل الملائم يحصل التوازن الذي يحكمه مبدأ الحكمة المفترض في النظام الملكي ومبدأ الحرية الذي تقوم عليه الديموقراطية. ذلك هو ما انتهى إليه أفلاطون في آخر كتاب له في الموضوع: كتاب “القوانين” (ترجم إلى العربية باسم “النواميس”).

فكيف قرأ فلاسفة الإسلام هذه النظم؟ أما الفارابي فقد احتفظ بـ”المدينة الفاضلة” التي يرأسها فيلسوف أو نبي واعتبر الباقي مدنا جاهلة: ضالة أو فاسقة أو مبدلة الخ. أما ابن سينا فلم يعر للموضوع كبير اهتمام. ويبقى ابن رشد وحده الذي ناقش المسألة بعمق من خلال شرحه المختصر لجمهورية أفلاطون، وهو شرح فريد حقا. لقد فسر أفلاطون لا بالتفكير في نفس الأمثلة اليونانية التي فكر بها وفيها أفلاطون، بل بالتفكير في أمثلة من الواقع المغربي خصوصا، والتجربة الحضارية العربية الإسلامية عموما.

اختصر فيلسوفنا، إذن، كتاب “السياسة” لأفلاطون، وهو المعروف اليوم بـ”الجمهورية”، وعلق على كثير مما ورد فيه، مطابقا بين ما قرره أفلاطون في هذا الكتاب وبين حقب من التاريخ الإسلامي. وفي يلي أمثلة:

يوافق فيلسوف قرطبة أفلاطون على تحليله لكيفية انتقال الحكم من الرئاسة الفاضلة إلى الرئاسة الكرامية (رئاسة العسكر والفتوحات) ويقرأ ذلك التحليل في مراحل من التاريخ الإسلامي. يقول مخاطبا قارئه: “وأنت تقف على الذي قاله أفلاطون في تحول السياسة الفاضلة إلى السياسة الكرامية من سياسة العرب في الزمن القديم، لأنهم حاكوا السياسة الفاضلة ثم تحولوا عنها أيام معاوية إلى الكرامية”، ثم يضيف: “ويشبه أن يكون الأمر كذلك في السياسة الموجودة اليوم في هذه الجزيرة” ()، يعني الأندلس.

ومضمون هذه الملاحظة الأخيرة أن الحكم في المغرب والأندلس كان أقرب إلى السياسة الفاضلة على عهد الملك المستنير المتفلسف يوسف بن عبد المؤمن ثم تحول إلى حكم العسكر وطلب المجد من خلال الأعمال العسكرية على عهد ابنه يعقوب المنصور. أما في الأقطار الإسلامية الأخرى فقد تفككت الدولة في كثير منها مما جعلها تعيش وضعية “المدينة الجماعية”، وضعية اللادولة حيث الكلمة للقبائل والعشائر وليس للسلطة المركزية. هذا ما يبرزه فيلسوف قرطبة عندما يقول: “والاجتماعات في كثير من الممالك الإسلامية اليوم إنما هي اجتماعات بيوتات لا غير. وإنما بقي لهم من النواميس الناموس الذي حفظ عليهم حقوقهم الأولى”()، يعني نمط العيش في المجتمع القبلي حيث يكتفي الناس بالضروريات.