كل حراك اجتماعي قابل للاستغلال، من الذين ليس لديهم ادنى إيمان بمطالب ذلك الحراك، بهدف حرفه عن مساره الطبيعي باعتباره حراكا مطلبيا يحاول المنخرطون فيه تحقيق عدد من المطالب التي يعتبرونها محقة ولا تخضع لأي مجال للشك او التأويل. وكثيرا ما يحاول مناهضو الحراك الحقيقيين تصويره على انه يتجاوز هذا المستوى المطلبي الى ما هو اكثر جذرية او اشمل منه ويقدمونه كما لو كان حراك هوية وطنية او بؤرة لثورة متخيلة . وقد نجد هؤلاء ضمن من يعلنون تبنيهم للملف المطلبي للحراك الاجتماعي، كما نجدهم في صفوف من أعلنوا العداء له منذ انطلاقه، او في فترة ما من فترات تطوره لهذا السبب او ذاك.وبطبيعة الحال فإن كل حراك اجتماعي مطلبي هو في الواقع، حراك من موقع وعنوان محدد، الى موقع وعنوان محدد آخر. اذ هو غالبا ما يكون من موقع المتضرر من الواقع، او بعض مستوياته، الى موقع من هو قادر، مبدئيا ونظريا، على التدخل لمناقشة تلك المطالب والعمل على تلبيتها جزئيا او كليا، مباشرة او على مراحل، بحسب طبيعتها وما يتطلبه تنفيذها من جهود مختلفة على المستويات المادية كما على المستوى الزمني .

ينبغي إذن الانطلاق من ان مطالب ساكنة الريف المغربي هي موجهة الى الحكومة المغربية بصفتها هذه، وباعتبارها المسؤولة على النظر في مختلف قضايا المغاربة بغض النظر عن طبيعة تلك المطالب، وكذلك دون تمييز بين منطقة واُخرى. وبالتالي، فان كل من يحاول اختلاق معادلات اخرى غير هذه، لا يقوم الا بمحاولة حرف الأنظار عن الحراك الاجتماعي، بما هو كذلك، وتحويله الى رهان لا علاقة له بمطالب الساكنة التي يعبرون عنها بشكل مباشر عبر قائمة المطالب التي بلوروها، ولم ينتظروا من اي كان التعبير عنها نيابة عنهم وربما في منأى عنهم ايضا.

والحراك الشعبي ليس حزبا سياسيا، يخضع لمقاييس وضوابط تنظيمية مسبقة يمكن اعتمادها في التمييز بين ما يدخل في سياق التحرك السياسي او التنظيمي المشروع، وما ليس كذلك، بل هو حراك لا ضوابط له غير المطالب التي يطرحها، من هم في قيادته، وغالبا ما يكون هذا لاحقا عن الحراك وليس سابقا له، وليس سابقا له على كل حال، ذلك ان حدثا بعينه يمكن ان يطلق حراكا شعبيا كرد فعل وليد لحظة مكثفة من المشاعر المتناقضة التي تتراوح بين الشعور بالغبن والغضب والامل في تغيير الاوضاع واليأس من ذلك في آن واحد. الحراك إذن صرخة من الأعماق موجهة أساسا الى من عليه سماعها والإنصات الواعي لها وهي الحكومة، التي هي قادرة على الفعل، بما يخفف من وقع المشاكل التي تترجمها تلك الصرخة ووضع خارطة طريق لحلها ضمن رؤية شمولية لا تتوقف عند الحدث والحراك الذي فجره، في هذه المنطقة او تلك، وانما بالنظر الى مسؤولياتها الوطنية في تأمين اسباب العيش الكريم لمجموع المواطنين. دون ان يعني هذا التغاضي عن الخصوصية التي تتميز بها كل منطقة من حيث امكانياتها واحتياجاتها الفعلية، والمنطقة المعنية في هذه النازلة هي منطقة الريف.

ويبدو ان الخطر الذي يتهدد الحراك الاجتماعي في الريف اليوم لا يكمن في الشرائح الواسعة من المواطنين الذين انخرطوا فيه او التحقوا به او تبنوه ودعموه في الريف وخارج منطقته على السواء، وانما الخطر كل الخطر في الذين يحاولون الركوب عليه، وهم قلة قليلة بطبيعة الحال، سواء من تلك المناطق او من خارجها ممن لديهم اجندات جاهزة منذ سنوات لضرب المجتمع المغربي في وحدته الوطنية وانسجامه الاجتماعي والذين لا يتركون حدثا اجتماعيا او حراكا شعبيا أصيلا دون محاولة استغلاله بكل الطرق الخفية والعلنية الممكنة.

ولتفادي كل غموض قد يستفيد منه المغرضون ايا كانت دعاواهم وذرائعهم على الحكومة المغربية مقاربة مسألة الحراك بالريف بشكل واقعي عقلاني وصارم في آن واحد:

واقعي، من خلال عدم التغافل عن مطالب الحراك الاجتماعي باعتبارها مطالب اجتماعية مهما كانت كثافتها ومتطلبات تحقيقها المادية والمعنوية،

وعقلاني، من خلال مقاربة توازن بين مصالح المواطنين المنخرطين في الحراك وبين ضرورات حماية الانسجام الاجتماعي. لان هذا الحراك يعني ان الخلل موجود فعلا وليس مختلقا على هذا المستوى. والعقلانية السياسية تقتضي الانتقال من الاعتراف بالواقع ومعطياته الى معالجة كل الاختلالات بما يحقق السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية باعتبارها المسؤولية الاساسية لكل حكومة تعي عمق مهامها والتزاماتها تجاه الشعب.

وصارم، من خلال التوجه رأسا الى جوهر المشكلات المطروحة، وعدم التهاون مع كل الاصابع التي تحاول العبث بأمن واستقرار وكرامة المواطنين في الريف، سواء منهم الذين يحاولون حرف اتجاه الحراك عن مقاصده المشروعة او الذين يحاولون استغلال الحراك لتصفية حسابات ما خارج اطار القانون والاحكام الدستورية التي ينبغي ان تكون الموجه الأساس لكل السياسات والممارسات.

 

الخميس 11 ماي 2017.