يقول الله عز وجل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ..” سورة البقرة

قال تعالى: ( ..فـكلي و اشـربي و قـرّي عيناً و إمّـا تـرينّ من البشـر أحـداً فقولي إنّي نذرت للرحمن صـومـاً  فلن أكلم اليوم إنسيا ) سورة  مريم

..يقول مصطفى صادق الرافعي :” .. لم أقرأ لأحدهم قولاً شافياً في فلسفة الصـوم وحكمته ، أما منفعته للجسم ، وأنه نوع من الطب له وباب من السياسة في تدبيره ، فقد فرغ الأطباء من تحقيق القول في ذلك .وكأن أيام هذا الشهر المبارك إن هي إلا ثلاثون حبّة تؤخذ في كل سنة مرة لتقوية المعدة،وتصفية الدم وحياطة أنسجة الجسم .. “،

من الايام المباركة عندنا يوم الجمعة ومن الاشهر شهر رمضان حيث يتعامل المسلمون معها تعاملا خاصا يطال المظاهر والسلوك  بمسحات “روحانية” قد لانجدها في باقي ايام واشهر السنة بل قد تكون مناقضة لها ..كما لايستبعد ان تكون كل تلك المظاهر عند البعض تصنعا وشكلية للتماهي مع المحيط المنسجم المتناقض مع نفسه وجوهر ثقافته وعقيدته كشكل من اشكال التقية او النفاق ..باعتبار توظيف الدين للاستغلال المادي او السياسي و…

والصيام في اللغة يدل على  الامساك  والركود …وشرعا : قيام وفعل من المكلفين والمكلفات  يتم بموجبه الامتناع عن الاكل والشرب والجماع  من الفجر الى غروب الشمس بنية التقرب الى الله …

وهو  امتناع وضبط للسان  والافعال بتجنب ما يتسبب في التعارض مع جوهر وروح الايمان والتقوى ولهذا فهو يصلح في قياس مدى  احترام الناس بعضهم بعضا و معرفة مستوى التعقل والوعي حكمة وتهورا  ليس في صيام الركن او صيام التطوع فقط بل في باقي الايام التي يفطر فيها الانسان …

انه  يعني عدم الاقدام على اي فعل او قول يجعل الصيام مجرد جوع وعطش ليس الا .. كما يجعل العبادات عبارة عن  حركات و”طقوس” تقتضيها ضرورات مصلحية واجتماعية  امعانا في الكذب على النفس والناس من باب النفاق والخداع والتضليل .. قال  أمير المؤمنين علي بن ابي طالب : (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء، حبذا نوم الأكياس وإفطارهم) .

انه في حقيقته ضبط وعقلنة لنية الانسان مع وقوله و فعله ..بواجب الامتناع عن الاستغلال البشع للفقراء والطبقة العاملة  والتمادي في ظلم الناس وانتهاك حرماتهم ..

انه لايتحقق مع  الانانية والغرور والتكبر والمكر والكيد والتضليل وقول الزور والكذب وقلب الحقائق   …قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من لم يدع قول الزور والعمل به  فليس لله حاجة في ان يدع طعامه وشرابه “..

انه امتناع عن ارضاء الانا والنفس المغترة التي لا ترى الا انها الاصلح ..وان ما يصدر عن غيرها هو الضلال يمشي على رجلين ..فلا راي الا ما ترى ولا فهم الاما تشرحه وتقوله  بل اعتقاد  انه لا تصح افعال الاخرين الا بالارتكاز على مدى قربها واحتضانها وتبنيها بالنية او بالاظهار ” لأية أنا  “لدرجة  افتراض عدم جواز  وجود اي مستوى من  مستويات المخالفة ناهيك عن التعارض   كما الحال عند  غلاة  بعض الشيعة وبعض اهل السنة والجماعة  حيث يصبح الولي و الفقيه والشيخ واراؤهم وحتى هرطقاتهم وشطحاتهم  اكثر قداسة   من النصوص الصريحة  بالكتاب والسنة …

ان مراجعة النفس وتقويمها لايكون الا بالقدرة على التامل والقراءة والمراجعة المتأنية والمتعقلة  بالافكار عند انضاجها قبل طرحها في الواقع  وبنية الافعال  قبل وقوعها ..وهذا هو دور الصيام ..حيث يرقى بالعقل والنفس الى مستوى يبتعد عن النزعة الحيوانية العدوانية …  فبحجب الرغبات ويكبح جماح الفعل والقول الخالي من  الادب والحاط بالاخلاق ..وجعل التعقل والنضج والحكمة  عملة رئيسية ووحيدة في كل انواع التعامل والعلاقات  …

ومن التساؤلات  التي تطرح ونحن نتحدث عن  الصيام … هل الامية والجهل والفقر المعرفي  وجه من اوج  الصيام الاجباري  في علاقته بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسات المؤطرة له ؟  ..وهل انعدام او صعوبة الحصول على العلاج والدواء  صيام عن العلاج  والاستشفاء  ؟ وهل السكن غير اللائق او بافتراش الارض  صوم  عن ضرورات العيش  في حدودها الانسانية الضامنة للكرامة ؟  وهل وجود البطالة والعطالة والبطالة المقنعة صوم عن العمل ..؟ .

هناك فرق هائل بين من صام بالتوقف عن الاكل والشرب  من الفجر الى غروب الشمس وهو القادر على تناول كل ما يحب ويشتهي ويمتلك من الاموال ما يسد خصاص  عشرات او الالاف من الفقراء …وبين من لايجد قوت يومه وسنته وعمره  منفردا او مع اسرته  ولباسا كافيا  ولا سكنا تتوفر فيه الحدود الدنيا للاستقرار والسكينة  و...

من هنا يمكن القول ان العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج لاتستقيم إن لم تروض وتضبط وتوجه  بشكل سليم روحيا وماديا وعقليا كل ما يصدر عن الانسان من اقوال وافعال وقرارات ..ولا يستثنى من هذا كل الناس كانوا سياسيين او علماء او مفكرين او تجار وحرفيين  ..اي عامة الناس وخاصتهم ..

 اننا لن نستطيع  فهم المطلوب منا من الكتب المقدسة  الا باستحضار قوي  للسنن النبوية الصحيحة  من افعال واقوال وتقريرات الرسل والانبياء حيث بعصمتهم وعصاميتهم واستقامتهم  يسهل عليهم استقطاب الناس لاعتناق الدين .. وبالسنن يكتمل الدين فنعرف فلسفة الصيام واركانه وسننه ومندوباته …كما نعلم عدد الصلوات وركعاتها واوقاتها  المفروض  و غيره …ونعرف  كل ما يتعلق بالحج والزكاة وكل  ما يلزم ليقوم الايمان والعمل على تقوى وصلاح …

ومن الدروس القوية التي نقتبسها من تاريخنا الانساني المشترك او تاريخ ديننا ..ان ما نجح به السابقون المعروفون بعدالتهم ومساهماتهم القوية والرائدة في تاريخ الشعوب وتاريخ البشرية ..مطلوب من الاحياء جميعا حتى تكون  المصداقية والثقة حاضرة في كل شيئ وتكون الجدية خدمة للصالح العام حاضرة في كل مناحي الحياة ..والا لاصبح كل شيئ في حكم الفاسد والباطل والمشكوك في صحته  ولضاعت الامانات و مصالح الناس  التي بين ايديهم او حتى التي يتوقون لتحقيقها لانفسهم او لابنائهم ..

قال – صلى الله عليه وسلم -: «من لم يدَع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابَه»؛ رواه البخاري.

… ان من يملك زمام نفسه، ويضبط فرحها وغضبها هدوءها وانفعالها  يمتلك  شخصية قوية تؤهله لامتصاص الصدمات وتجنب الانزلاقات والاخطاء  بصومه عن القيل والقال وامساكه عن مبطلات التعقل وامتناعه عن مسببات الافلاس المادي والمعنوي … ان الصوم / الامتناع  تعبير  عن وجود ارادة وعزيمة  قويين ..تخول لصاحبها القدرة على تهذيب نفسه وتقويمها وتحصينها وتطهيرها ليصبح قادرا على ادارة نفسه وتوجيهها نحو الصلاح  ومن ثم ليكون قدوة لغيره …

ان الذين يرفعون رؤوسهم نحو السماء  لتتبع رؤية الهلال  وكانهم في قمة الاستعداد لبداية عهد جديد ..هم في نفس الان اكثر حزما وعزما للعودة الى ما نهوا عنه  ولو ادعوا انهم عاهدوا الله وانفسهم على التوبة  ..ماضون الى افساد  صيامهم وعقيدتهم  …

لهذا عندما تحدث الله عن الصيام وربطه بالتقوى التي هي لغةالستر والصون والحذر” و “شرعا  حفظ النفس مما يؤثم وذلك بامتثال الاوامر واجتناب النواهي تبعا لشرع النبي صلى الله عليه وسلم” اراد ان يخبر بان  الطريق الى  الإصلاح والتغيير يبدأ بالنفس وتجلياتها  كافعال واقوال وممارسات في جميع مجالات الحياة الانسانية ..

قال تعالى : ” إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ”  سورة  الرعد

قال سفيان الثوري رحمه الله. “انما سموا متقين لانهم اتقوا ما لا يتقى.”

تارودانت : الاربعاء 10 ماي 2017.