جاء في كتاب الأحكام السلطانية لأبي حسن الماوردي أنه صنف الوزراء إلى صنفين . و يتعلق الأمر بوزارة التفويض و وزارة التنفيذ. فالصنف الأول هو الذي يتم تعيينه من طرف الإمام و هو الذي يستظهره و يفوض إليه تدبير الأمور برأيه و إمضاءها على اجتهاده و ليس أن يمتنع جواز هذه الوزارة.و هو ما يطلق عليه في القاموس السياسي بالمستشار و لا يوجد في أي نظام سياسي كيف ما كان نظام حكمه ملكي أو جمهوري إلا و يتوفر على مستشاريه يرجع إليهم الحاكم في الاستشارة في الأمور المتعلقة بتدبير شؤون شعوبهم و ينحصر دورهم في الاستشارة دون إلزامه بها و لا يوالي هذه المهمة إلا من تتوفر فيهم الدراية بشؤون بلدانهم و حنكتهم و الوثوق فيهم بسبب ما لديهم من صدق و مؤهلات يستأنس الحاكم بآرائهم و تنويره في الرأي بكل حكمة . و مصدر تقليد هذه الوزارة أشارت إليه الآية 29 من سورة طه حيث جاءت حكاية عن نبيه موسى عليه الصلاة و السلام بقوله تعالى (( واجعل لي وزيرا من أهلي ، هارون أخي ، اشدد به أزري  وأشركه في أمري )) و بالفعل استجاب الله دعائه و أصبح أخاه هارون نبيا لمؤازرته في معاناته و محنته مع فرعون الذي يستهزئ بموسى و هارون أما وزيراه هامان و قارون فهما يقولان لقومه أنا ربكم الأعلى في حين أن قارون المغرور بنفسه و متكبرا بدوره بزيه الذي يرتديه مدعيا أن ما أوتى من منصب و ما كان يتمتع به انه أتاه من عنده و ليس من عند الله و كان فرعون يدبج أبناء قومه و يستحي نسائه إلا أن مصير كل الجبابرة من الملوك و الأقوام الذين أتتهم رسلهم و أنبيائهم برسالة التوحيد إلا و يعرضون عنها . فإذا جاز ذلك في النبوة كان في الإمامة أجوز ، ذلك لان من وكل إلى الإمام من تدبير شؤون الأمة حيث لا يقدر تدبيرها جميعا إلا باستتبابتها . و نيابة الوزير المشارك والذي سما الماوردي وزير التفويض و ذلك في التدبيرو أصبح  تنفيذ الأمور من تفرده بها ليستطهر به على نفسه و بها يكون ابعد من الزلل و امنع من الخلل و يعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة حسب الماوردي إلا النسب وحده لأنه ممضي الآراء و منفذ الاجتهاد و يكون أيضا من الكفاية فيما وكل إليه من أمر و على هذا الشرط   يجب أن تكون عليه هذه الوزارة و به تنتظم السياسة و في هذا الصدد حكي عن المأمون احد الخلفاء العباسيين انه كتب في اختيار الوزير قوله ( إني التمست لأموري رجلا جامعا لخصال الخير ذا عفة في خلائقه و استقامة في طرائقه في الآداب و حكمته التجارب أن اؤتمن على الإسرار قام بها و إن قلد مهمات الأمور نهض فيها يسكنه الحكم و ينطقه العلم . له صولة الأمراء و تواضع العلماء و فهم الفقهاء انأ أكن له الشكر و أنا ابتلى بالإساءة إليه )و إن لم تكن هذه الشروط الدينية المحضة فهو من شروط السياسة الممازجة لشروط الدين لما يتعلق بها من مصالح الأمة و استقامة أهله . فإذا اكتملت شروط هذه الوزارة فيما هو أهل لها فصحة التقليد بها معتبرة. و هذه هي المواصفات التي تجب في وزارة التفويض و كل ما صح من الإمام صح من الوزير إلا ثلاثة أشياء احدها ولاية العهد فان للإمام أن يعهد إلى من يرى و ليس ذلك للوزير و الثاني أن للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة و ليس ذلك للوزير و الثالث أن يعزل من قلده الوزير و ليس للوزير ان يعزل من قلده الإمام ، و ما سوى هذه الثلاثة فحكم التفويض أليه يقتضي جواز فعله و صحة نفوذه منه . أما بالنسبة لوزارة التنفيذ و هو الصنف الثاني فحكمها اضعف و شروطها اقل لان النظر فيها مقصور على رأي الإمام و تدبيره ، و هذا الوزير و سيط بينه و بين الرعايا و الولاة و يؤدى عنه ما أمر و ينفذ عنه ما ذكر و يمضي ما حكم و يخبر بتقليد ما الولاة و يعرض عليه ما ورد من مسلم و تجدد متقلدها فان تورك في الرأي كان باسم الوزارة اخص و إن لم يشارك فيه كان باسم الوساطة و السفارة أشبه و تفتقر هذه الوزارة إلى تقليد و إنما يرعى فيها مجرد الإذن ، و في اعتقادنا أن المطلوب في وزارة التفويض أو التنفيذ هو الطاعة لولي الأمر إلا في معصية مصداقا لقوله تعالى في سورة النساء   ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59) ﴾ و من جهة أخرى فان وزير التنفيذ إن ولى مهمة وزارة لمن ليس أهلا لها و ترك من هو أهلا لها فيكون بذلك خان الله و رسوله .

أما بالنسبة للمواصفات المتعلقة بوزارة التنفيذ فيراعي فيها سبعة أوصاف كما حددها الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية و يتعلق الأمر بالأمانة حتى لا يخون فيما قد اؤتمن عليه و لا يغشى فيما قد إستصح فيه و الثاني صدق اللهجة حتى يوثق بخبره فيما يؤديه و يعمل على قوله فيما ينهيه و الثالث قلة الطمع حتى لا يرتشي فيما بلى و لا ينخدع فيتساهل و الرابع أن يسلم فيما بينه و بين الناس من عداوة و شحناء فان العداوة تصد عن التناصف و تمنع من التعاطف  الخامس أن يكون ذكورا لما يؤديه  الإمام عنه فان شاهد له و عليه و السادس الذكاء و الفطنة حتى لا تنسى عليه الأمور فتشتبه و لا تموه عليه فتتلبس فلا يصح مع اشتباههما عزم و يصلح مع التباسهما عزم و السابع أن لا يكون من آهل الأهواء فيخرجه الهوى من الحق إلى الباطل و يتدلس المحق من المبطل فان الهوى خادع للقلوب و صارف له عن الصواب و لذلك قال النبي (ص) ( حبك الشيء يعمى و يصم ) .

هذا باختصار ما جاء عن الماوردي في تقليد الوزارة في كتابه الأحكام السلطانية و قد ارتأيت تناوله كما سبق لي أن تناولت مسألة الحكم بغير ما انزل الله و أصول التكفير في ضوء الكتاب و السنة و سلف الأمة لخالد العنبري . و اعتقد أن ما جاء عن العنبري يتعلق بالقضاء الحاكم أما الماوردي فيتعلق بالسلطة التنفيذية و قد جاء الموضوعين في دستور المملكة 2011 ولذي جاء في ظل التحولات و التطورات التي يعرفها العالم و انعكست على بلادنا و كان طبيعيا أن تعكس مقتضياته هذا التحول مع الاستئناس بأقوال الفقهاء و السلف و الخلف و الأخذ بما فيها من فوائد و الاستعانة بها و تطوير ما يمكن تطويره في شأنها . و مما تجدر الإشارة إليه أن الماوردي لم يكن الوحيد الذي تناول الأحكام السلطانية في الفترة الأخيرة من الحكم  البويهي في بغداد خلال سنة 458 هجرية بل جاء الفقيه أبو يعلى الفراء ليؤلف كتابا يحمل عنوان الأحكام السلطانية إلا أنهما اختلفا في المذهب الذي تبناه كل واحد منهما . فالأول الماوردي صار على المذهب الشافعي أما أبو يعلي فصار على المذهب الحنبلي و مع ذلك فكلاهما مارس القضاء خلال حكم الخليفة العباسي القائم أما الاختلاف الوحيد بين الكتابين يكمن في الأساس المذهبي الذي بني عليه النقاش .

فالماوردي يعرض أراء جميع المذاهب تقريبا عدا المذهب الحنبلي و يسند آراءه بالسوابق التاريخية و الاجتهادات المختلفة كما يعطي الأولوية لمذهب الشافعي و في المقابل نجد ابن الفراء لا يعتمد إلا على الرواية المستندة إلى الإمام احمد بن حنبل و خصوصا في الأحاديث و بذلك جاء كتابه مقتصرا على المذهب الحنبلي . إلا أن الإشكال المطروح يتعلق عمن كان سابق في التأليف للأحكام السلطانية عاش في نفس العهد. لذلك يبدو من الضروري العمل على تحديد من الذي كان له الفضل في السبق في التأليف لان ذلك سيساعد على اثبات أصالة الماوردي المشهورة و اسهامه في مجال الفكر السياسي الإسلامي و نال شهرة واسعة عند الباحتين في حقل الدراسات الإسلامية السياسية و الإدارية و كان دور الماوردي في الأحداث السياسية و الاجتماعية مما لا يخفى على الكثير من المؤرخين الذين تحدثوا  عن مقاربته بين الخلفاء و الأمراء عام 466 هـ حتى قبيل وفاته أما ابن الفراء فلا يعلم عنه شيء من هذا .

على كل ليس الهدف من قام بالتأليف قبل الآخر بل  هو إثبات أيهما أكثر أصالة من الناحية الموضوعية و بطبيعة الحال فانه بالنظر للأداء و الشهرة يكون المرجح هو الماوردي دون التقليل من قيمة أبي الفراء . و يستخلص مما ذكر أن نظام الحكم في الإسلام قد شهد هذا النمط من تقليد المسؤوليات مند عهد النبي (ص) فكان مصدره الكتاب و السنة و الآثار . و مع أن الرسول (ص) كان مرتبطا بوحي الهي فقد كان يمارس الشورى في تدبير شؤون الأمة و قد اتخذ من خلفائه و أصحابه وزراء لا تتوفر فيهم المواصفات السبعة التي أشار إليها الماوردي فقط بل أكثر منها و يتعلق الأمر بالوزراء موثوق في علمهم و صدقهم و إخلاصهم و أخلاقهم و معاملاتهم و زهدهم و ورعهم و شجاعتهم و هم أخيار القوم بصفاء قلوبهم و تقواهم …الخ . و كان يقلد ما يسميه الماوردي بوزارة التفويض من هم مؤهل لها  أما وزارة التنفيذ فيتولها الصحابة رضي الله عنهم و منهم من تقلد مسؤولية الجهاد و منهم من تولى مسؤولية الخراج و منهم ولاة و أئمة و فقهاء و علماء . و ترك للأمة اختيار طريقة الشورى من في تعيين الأعضاء في مسؤوليات بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة و كانت الغاية من توزيع المسؤوليات المتعددة تحقيق العدل و الأمن و دفع العدوان و أداء الواجبات و إحقاق الحقوق و رد المظالم و لذلك وصفت الأمة بخير امة أخرجت للناس بالدعوة إلى الخير ة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و كما سبق ذكره شهدت الأمة الإسلامية هذا النمط المتعلق بتقليد الوزارة أو التعيين في المسؤوليات و اتخذت أشكالا متفاوتة عبر الزمان و المكان مؤثرة و متـأثرة بالتطورات التي تعرفها المجتمعات البشرية و مرت في الأزمات و الزلازل و اجتازت كل المنعطفات التي قد تؤدي بها أحيانا إلى الاستقرار أو الانهيار و الانحطاط و هذه سنة الله في خلقه .

 أما بالنسبة للمغرب فقد تم تشكيل الحكومة بعد مخاض عسير استغرق ستة أشهر و تتكون من تسعة و ثلاثون وزيرا من مختلف المرجعيات و الإيديولوجيات متباينة . و اعتقد أن القاسم المشتركة الذي يجب أن يجمعهم هو المصلحة العليا للبلد و مصلحة المواطن المغربي و ليس الريع المادي و المعنوي . و من اللائق أن تتوفر فيهم المواصفات التي كان عليه وزراء الرسول (ص) أن استطاعوا و أن لم يقدروا على المواصفات السبعة التي أشار إليها الماوردي المتعلقة بوزارة التنفيذ . هذا و إن يتصفوا بالصفات التي ينادي بها جلالة الملك بقوله ( من لم يدرك معنى الوطن و يحمد الله تعالى على ما أعطاه لهذا البلد : تابعو ما يقع في العديد من دول المنطقة كان ذلك عبرة لمن يعتبر أما المغرب فيواصل طريقه بثقة للالتحاق بالدول الصاعدة . إن هذا الاعتزاز بالانتماء للمغرب هو شعور وطني صادق يجب ان يحس به جميع المغاربة انه شعور لا يباع و لا يشترى و لا يسقط في السماء بل هو إحساس نبيل نابع من القلب حسن التربية على حب الوطن و مكارم الأخلاق انه إحساس يكبر مع المواطن و يعمق إيمانه و ارتباطه بوطنه ) .انه توجه جديد و صريح في نقد الملك من خلال اعتماد خطاب شفاف و واضح و غير مهادن تجاه ممارسات و أداء الفاعلين السياسيين الذين غيبوا مصالح المواطنين و الوطن و توجهوا نحو مصالح حزبية أو دانية و أنستهم معرفة إدراك مفهوم معنى الوطن مركزا على تخليق الحياة السياسية .

و الملاحظ أن المشهد السياسي وصل إلى مستوى الانحطاط و مما كله لاشك فيه أن جميع الفاعلين السياسيين يدعون الدفاع عن الخيار الديمقراطي إلا أن أفعالهم ليست بأقوالهم لذلك لن يتحقق هذا الخيار بهذا النوع من الخطاب و الأداء السيئ للفاعل السياسي و الحزبي الذي يعيش أزمة حقيقية وصلت إلى مستوى غير طبيعي …الخ . هذا و لما كان الزعيم الاتحادي المرحوم عبد الرحيم بوعبيد يردد السياسة أخلاق فيستفاد منها أن العمل السياسي يقتضي الصدق مع المواطن و الموضوعية في التحليل و الاحترام بين جميع الفاعلين بما يجعل منهم شركاء في خدمة الوطن و ليس فرقاء سياسيين تفرق بينهم المصالح الضيقة و علينا كاتحاديين مقبلين على عقد المؤتمر العاشر أيام 19-20-21 من مايو 2017 أن نكون واعين بطبيعة المرحلة و ما آل إليه الوضع الحزبي . لذلك يجب أن نتحمل جميعا في القيادة و القواعد المسؤولية لاسترجاع الحزب مكانته في المشهد السياسي و يجب أن نكون في مستوى اختيار الأجهزة التقريرية و التنفيذية و نصوت على من توفرت فيه المواصفات التي أشرت إليها كما هو الشأن بالنسبة لما جاء به الماوردي أسوة بسلفنا السابقين أمثال بن بركة و عبد الرحيم و غيرهما كما جاء في حقهم قوله تعالى : (( من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه و منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا )) . و لا يجب أن يتكرر المؤتمر العاشر ما وقع في المؤتمر التاسع . بذلك يتعين علينا جميعا العمل على إنجاح المؤتمر .

 

وارزازات : علي المرابط

الجمعة 12ماي 2017.