استشهد بإفريقيا الوسطى خلال الأسبوع الأخير جنديان مغربيان من القبعات الزرق ، لبيا داعي ربهما ومعهما أربعة جنود كمبوديين، وهم يؤدون واجب الحفاظ على السلم بهذا البلد الإفريقي، الذي تمزقه حرب متعددة الأوجه منذ خمس سنوات.فيما يخضع 9 جنود مغاربة، للعلاج بعد تعرضهم لهجوم مسلح من مجهولين، خلال أدائهم مهامهم ضمن القبعات الزرق للأمم المتحدة.وقد عبرت الأمم المتحدة عن إدانتها الشديدة لهذا الهجوم، الذي شنته مجموعة مسلحة على نقطة تفتيش للقوات المسلحة الملكي، وسط مدينة بانغاسو،ودعت إلى فتح تحقيق وملاحقة الجناة .

هو نداء الواجب إذن، الذي يجعله المغرب من أولويات خياراته ، واجب المساعدة على وقف إراقة دماء الشعوب والانخراط في عمليات إنسانية، هدفها الأول استتباب السلم والحفاظ عليه في مناطق انزلقت إلى حروب داخلية بين فرقائها السياسيين أو إثنياتها الاجتماعية.

ومشاركة المغرب تاريخيا، كانت في إطار مبادئ وميثاق الأمم المتحدة .وقد أكد الدستور الجديد هذا التوجه بنصه على أن المملكة المغربية « العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات(…) كما تؤكد عزمها على مواصلة العمل للمحافظة على السلام والأمن في العالم».

إن قوات حفظ السلام الأممية، إحدى أبرز الأدوات المتاحة للأمم المتحدة، لمساعدة البلدان على وضع حد لهذه الصراعات .وتنفرد عمليات حفظ السلام بتمتعها بنواحي قوة، بما في ذلك الشرعية، وتقاسم الأعباء، وبقدرة على نشر القوات وأفراد الشرطة من جميع أنحاء المعمور .وتهتدي بثلاثة مبادئ أساسية، كما هو متعارف عليه لدى المنتظم الدولي: موافقة الأطراف؛ والحياد؛ وعدم استعمال القوة ،اللهم إلا في حالة الدفاع عن النفس والدفاع عن الولاية.وهناك في الوقت الراهن سبع عشرة عملية سلام تابعة للأمم المتحدة منتشرة في أربع قارات.

في إفريقيا ، يعد المغرب من أبرز الدول التي تشارك في القوات الأممية، التي تدعو إليها الأمم المتحدة . فمنذ استقلاله، ساهم في ست عمليات أممية لاستتباب الأمن، واستشهد من أفراد قواته المسلحة الملكية العديد من الجنود .واليوم، تتواجد تجريدات مغربية في إطار القبعات الزرق الأممية في كل من أراضي جمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بما يفوق مجموعه 1600 جندي . فيما هناك أربعة مغاربة بالكوت ديفوار . ونشير هنا إلى أن الجزائر لا تنخرط في هذه العمليات سوى بخمسة عناصر، بالرغم من ادعاءاتها بأنها تعمل على استتباب الأمن والسلم بالقارة السمراء.

رحم الله ضحايا الهجوم الغادر من أفراد القبعات الزرق ،وضمنهم الجنديان المغربيان . لقد قدموا أرواحهم-جميعا- من أجل ألا تلتهم الصراعات المسلحة مدنيين آمنين، ولا تستهدف الفئات الهشة من أطفال ونساء، وسعوا- وهم الملتزمون بمبادئ الأمم المتحدة وبغاياتها ، وأهداف بعثاتها- ألا تطول آماد المواجهات، وتتسع جروح دول، وتغرق في دماء الاقتتال. إنها كلفة الدفاع عن الإنسانية وأمن الشعوب واستقرارها.

ولا شك أن الأفارقة ، وعموم الدول التي يوجد فيها كتيبة أو فيلق أو تجريدة، سيسجل تاريخها للمغاربة وجنودهم البواسل، الاستشهاد خدمة لقضية نبيلة، وقيم سامية وهدف إنساني كبير،ألا وهو السلام، وضمان شروط العيش المشترك..

لقد آثر المغرب تأكيد حضوره جنبا إلى جنب مع القوى المحبة للسلام، وضمن لائحة الدول ، التي لا تتقاعس في سبيل ما تؤمن به، وهي في ذلك ، لا تفصل بين الذود عن ترابها ووحدتها واستقرارها ، وبين نفس الأهداف في دول أخرى تحت رايات الأمم المتحدة أو رايات التضامن العربي..

إن شهداءنا في القوات المسلحة الملكية، هم شهداء الإنسانية، في القارات والبلدان، التي تحتاج إلى من يقف إلى جانبها، كما هم في مراتب الشهادة من أجل بلادهم، ومنافحة عنها كلما اقتضت سلامتها ذلك الاستشهاد.
وقد وقف العالم، من خلال هيئاته الدولية المكرسة، على تضحيات المغرب، عبر بيانات التضامن والمساندة الصادرة عن قيادات دولية رفيعة ، كما تفاعلت الدول المعنية كلما اقتضى ذلك واجب الاعتراف والامتنان لكل من سقطوا كفاحا عنها.

رحم الله شهداءنا ، وأسكنهم فسيح جناته ، رفقة الشهداء والصديقين ،وحسن أولائك رفيقا..

 

الاثنين 15 ماي 2017.