يزداد انتشار الفكر الظلامي في المجتمع العربي بشكل مرعب وتتناسل الجماعات الظلامية وتتعقد أساليب اشتغالها وهيكلتها. كان تركيز استقطابها ينحصر داخل الأقطاب العربية، ثم تمدد إلى الدول الغربية المتقدمة وأضحت أكثر جاذبية لليافعين هناك. ينضاف الفكر الظلامي إلى أورام التناقضات التي تنخر الجسم العربي وتعطل حلم الإقلاع والنهضة.

تختلف التفسيرات وتتعدد بخصوص بذور انبعاث هذا النوع من الفكر واستفحال تفشي مظاهره. ربما وجب الحديث عن واقع  فرض نفسه وليس عن ظاهرة عابرة. فهناك من يعزو ذلك إلى التدخل الخارجي عبر تبنيه وتمويله لتلك الجماعات من أجل نشر الفتنة والفوضى لإضعاف البلاد العربية والاستفراد بخيراتها واستدامة الوصاية عليها.

من النافل القول إن الأطماع الخارجية تتحمل الوزر الأكبر من واقع الهوان والتبعية الذي تحياه الدول العربية عبر التدخل الصارخ في شأنها الداخلي واختيار نخبها الحاكمة وفرض الهيمنة الثقافية عليها لتحديد مصيرها. غير أن التغلغل الأجنبي ماكان ليقع دون وجود قابلية للاختراق في النسيج الداخلي وضعف المناعة الذاتية اتجاه كل ماهو دخيل.

تتقاسم الدول العربية مجموعة من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إذ يلاحظ استفحال الفقر والبطالة بسبب هشاشة الإقتصاد وفشل المخططات الحكومية أمام ضخامة الإكراهات الداخلية والخارجية وخيانة بعض النخب السياسية. هناك استفراد لفئة معينة بخيرات البلاد مما فرض واقع الاحتكار وأجهز على الحركية الاقتصادية في ظل وجود شركات محلية غير قادرة على خلق الثروة و مجابهة المنافسة الخارجية. من جهة أخرى ظلت الثقافة تحت رحمة بطش السياسة مما سهل عملية الهيمنة الثقافية الغربية في ظل أنظمة تعليم عقيمة غير قادرة على خلق ممانعة داخلية متماسكة. كما أن باب الاجتهاد اقفل منذ قرون خلت بتواطؤ بين علماء البلاط والأمراء، فعطل العقل وساد الجهل وخلت الساحة لكل أنواع الفكر الظلامي الشاذ سواء أكان دينيا أو سياسيا مقابل تهميش و وأد كل صحوة أمل لبناء فكر تنويري فعال.

غني عن البيان القول أن مجمل هذه الأزمات والانكسارات أصابت نفسية المواطن العربي في العمق، فافتقد الثقة في النفس وتدمر من جراء تراكم آثار الإحباط والسخط واليأس. فهو غير قادر على إشباع حاجاته الأساسية سواء أكانت فسيولوجية  أواجتماعية أو اقتصادية. المواطن العربي يحس بالإقصاء والتهميش ولا يستشعر وجود كيان الدولة إلا عند استدعائه للمشاركة في الانتخابات أو أداء الضرائب ، بل أحيانا لا يعتز بهويته إن لم يكن يتبرأ منها.

لا جرم أن واقعا كهذا يشكل تربة خصبة لظهور ردود فعل شاذة وغير متوقعة، مما يشكل مركز جاذبية للعصابات الظلامية من أجل استقطاب جيوش اليائسين المهمشين للتمرد على الوطن الذي، حسب اعتقادهم، ألقى  بهم جانبا ولم يمنحهم إحساس الانتماء أو شرف صون الكرامة.

الفكر الظلامي يقصي الرأي الآخر ولا يتردد في تصفية كل ما هو مخالف عبر فتاوى الجهاد (العمليات الانتحارية) ويؤمن بقراءات معينة – ترجع لأزمنة خلت- للنصوص الشرعية ويمارس عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب تأويلاته ويكرس لواقع الجهل بكل أنواعه ويحارب كل فكر يوقظ وعي السواد الأعظم من الناس، من هنا نتبين أسباب تصفية الشرفاء من المفكرين والمثقفين.

 

الثلاثاء 16 ماي 2017.