لم أحلم أبدا بأن يبقى محمد بن عبد الكريم الخطابي حيا، إلى زمننا الآن ….سوى اليوم!
فالموتى الأبطال والأبطال الموتى يغروننا بحياة شاعرية أكثر…
لكن تمنيت أن يكون حاضرا، في القاهرة، بالذات، وسط العروبيين، وينصت على اليوتيوب قول نوع فريد من بلاغة العته «الاستعمار الاسباني أرحم من الاستعمار العروبي..»…
محمد بن عبد الكريم، أيها المناضل، اختار، وهو يهرب من السفينة الفرنسية، عاصمة العرب، في خمسينيات القرن الماضي، لأنها كانت عاصمة التحرر..
وفيها أسس مكتب المغرب العربي..
اقرأ جيدا : المغرب العربي..
ومحمد بن عبد الكريم الخطابي لن يشرفه أن تنسب معركته ضد الأسبان إلى …رحمتهم من العروبيين!
2 – من الذي كان وراء الإصابات الطويلة الأمد بالسرطان:عقبة بن نافع الفهري أم الجنرال سلفستر؟
ولكي أكون واضحا للغاية:خرج آلاف المناضلين والمواطنين وشباب الريف العظيم إلى الساحات العامة لكي يطالبوا بمستشفى لأمراض السرطان، لأن الاستعمار الرحيم رحمهم بالغازات السامة..
صح؟
-صح!
إذن ، لماذا تخرج إلى الشارع العام »اماينو«، إذا كانت الرحمة هي أصل السرطان؟؟
3- من غريب الصدف أن الملف الصحي ، والمسؤولية الأخلاقية والمادية والسياسية عنه، بدأت تطفو على السطح، وبدأت الجارة في الضفة الشمالية بفعل أهل الضمير فيها وبفعل الشعور البعدي بالذنب، وأيضا بفعل بعض من الصفاء الذهني لدى الدولة عندنا، تتحمل تبعات هذا الملف وصار النقاش حوله يتخذ المسار الذي لا بد منه، بالإقرار بمسؤولية السرطان، من خلال الغازات السامة.غير أن الملف أصبح مطروحا على الدولة المغربية ، بحد ذاتها أكثر من الدولة الاسبانية!
صار الضحايا ودولتهم أقل رحمة من الاستعمار وغازاته!
علاش
مايمى؟ …(قاتواري واها)!
من حقنا أن نندهش، إذا كنت تبرئ الاستعمار الاسباني، من آثار الغازات السامة، لكي تحتج ضد المخزن لأنه لم يبن مستشفى لحماية المرضى..أيُّ هوىً هذا الذي يعج به نزقك يا صديقي البطل ؟..
من حسن حظنا أن أبناء الريف الجميل،
الريف القتيل،
الريف الريف يجيدون بلاغة الاحتجاج والغضب ، ولا يخطئون في الأعداء…
4 – لسنا من قناصي الانفلاتات لكي نشكك – باسم قانون كل شيء أو لا شيء – في ما هو حراك سلمي، قوي وتعبير عميق ، عن تطورات بلادنا، لأن لسانا لزقا يرى أن الاستعمار صار عروبيا!!
فنحن نعتبر أن الامتحان الديموقراطي لا تستطيعه سوى الشعوب الحرة، والريف علم الناس، من ماوتسي تونغ إلى غيفارا، مرورا بالفدائيين الفلسطينيين معنى الحرية والنضال والعبقرية العفوية، …لهذا لن نربط بين ما قاله الزفزافي وبين عمق الطموح الذي نريده لبلادنا في منطقتها الغراء، الريف ذلك القسط المنير من إنسانيتنا المغربية…
ونحن ندرك أن اسم الزفزافي ليس منذورا للنسيان في الأفق القريب، وأن الذي يمكن أن ينسي الشارع فيه ، هو حل المشكلة المطروحة، وليس تعويضها بتوتر مبالغ فيه!
5 – في الحق
لا تكون الحسيمة في الحسيمة
ولا الرباط في الرباط..لهذا عندما ينتفض أبناء الشعب في الحسيمة، تكون الرباط مطالبة أن تصبح عاصمة للحكمة… والشعور بالمرارة التي تضج بها أفئدة الناس!
ليس مطلوبا من الدولة أن تكون ضعيفة لكي تعجبنا ولكي نحبها، لكن السلطة، كما قال دوغول العظيم هي العجز!
أي القدرة على أن تكون ضعيفة أمام شعبها…
كل دولة، كي تكون دولة لا بد لها من أن تخاف، وأن تبعث الخوف أيضا..لكنه الخوف من نوع الذي يخلق .. الحكمة.
كما قال أحد كبار عظماء التاريخ، يوليوس قيصر: أكون حكيما بقدر ما أكون خائفا..
لكن الدولة لا يمكن أن تكون عاجزة لكي يتقوى من لا يبحث عن حل، وعن تقدم وعن شراكة.. ولا عاجزة لكي تثبت مقولة من يريد تعجيزها..هكذا بوضوح كبير وبإيمان كبير بأن المغرب يتسع للشعب أكثر من الداخلية وأكثر من الأغلبية وأكثر من الأحزاب وأكثر من برامج الخوارج لا الخارج!
-6 لنا أن نحتفل بأن الشارع لم يعد حكرا على الدولة..وأن التأطير يبحث له عن بنية مادية جديدة، يتحدث باسمها الزفزافي، والشباب الذي يحمله على الأكتاف.. ليس عيبا
وليس عيبا أيضا أن يطرح الحراك على الدولة وعلى كل المؤسسات درجة العجز في التأطير أو يطرح عليها تحولات لم تنتبه إليها في «زعماء الميدانيين»، الذين تنجبهم الحركات الاحتجاجية (من بوديموس إلى سيريزا إلى .. شوارع بلغراد الجامدة )، نحن أيضا نمتحن في قدرتنا على مسايرة هذه الحرارة الكبرى التي تلف جسدنا الاجتماعي، ودرجة الانتظار والقدرة على إرسال الرسائل إلى من يهمه الأمر :الدولة..
في التحرك السلمي «عرض سياسي « أيضا، وليس اجتماعيا ، وطلب للتحاور والجلوس إلى طاولة الحوار…، وهذا العرض السياسي ، لم يكن من البدهي أن نسلم به، لأننا اعتدنا على تدبير محدد للمفاوضات الاجتماعية والسياسية بحد أدنى وحد أقصى معروفين عادة..وهو عرض لا يسبق الانتفاضة، كما حدث في سنوات الرصاص وانغلاق المجال السياسي على معادلات القمع والرفض والإقصاء…
7 – ثم لماذا لا نفكر في العجز إلا بما هو أفدح منه: التخوين
ونفكر في القصور النخبوي والمؤسساتي بما هو أفظع منه:الوعيد
ونفكر في تفكك الهيئات الوسيطة بما هو أصعب منه:تفكيك المجتمع الحي؟..
سيمر الاحتجاج بسلام وسنصادف الحرية، على شرفات كيمادو وبين سواقي بني بوعياش وسنذكر بأن الاستعمار الاسباني ترك لنا فاتورة فادحة، وأنه مطلوب أن نبني مستشفى وأن سنوات الخصام، التي دشنتها المصالحة بعدها منذ سنوات قليلة فقط، تركت لنا إرثا ثقيلا جدا جدا جدا..وأن العيب هو أن نحاول أن نعود إلى زمن الرصاص لكي تدفع الدولة من دمها ثمنا لوسائل لا شعبية لها..
8 – أعود إلى ما ختمت به البارحة إلى قول جلالة الملك :
– يهمني ألا أنسى أن الخطاب الأكثر قوة في التنبيه إلى من يتربص بوحدتنا هو ما قاله جلالة الملك في الرياض، بمناسبة قمة الخليج، وفيه حديث واضح عن القوى التي تشتغل على ملف الوحدة الترابية للمغرب، والأحابيل التي توضع في وجه… الصحراء المغربية.
وقتها لم يتردد ملك البلاد، ورئيس دولتها والضامن لوحدتها والقائد الأعلى لقواتها المسلحة في تسمية الأشياء بمسمياتها.. بكل مسؤولية تاريخية وبلا لف ولا دوران، وهو الخطاب المرجعي إلى حد الساعة في كل ما يتعلق بتدبير أطروحات الانفصال وعلاقة الدول العظمى بذلك.. لقد قال الملك :«إن المخططات العدوانية، التي تستهدف المس باستقرارنا، متواصلة ولن تتوقف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب.
وهذا ليس جديدا . فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل، المباشرة وغير المباشرة في مناوراتهم المكشوفة.
فهم يحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن تواجد المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال وأطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها.
ومع التمادي في المؤامرات، أصبح شهر أبريل، الذي يصادف اجتماعات مجلس الأمن حول قضية الصحراء، فزاعة ترفع أمام المغرب، وأداة لمحاولة الضغط عليه أحيانا، ولابتزازه أحيانا أخرى »..
…وإنه لريفٌ حتى النخاع!

 

الاحد 21 ماي 2017.