لا احد ينكر واقع العبث الذي نعيشه ونتخبط في شرنقته. نحس بالتيهان والضياع في حلقات سلسلة مفرغة من الأحداث تعتريها الرداءة والإفلاس على جميع الأصعدة. نعيش تحولات اجتماعية لا ندري ما ستؤول إليه الأمور مستقبلا وأي موقع سنشغله في زمن جبروت القوى العظمى واستفحال سلطتها في تحديد مصير الضعيف المعدوم.

يتراجع حس الانتماء للوطن وينهار معه أي تعبير عن المواطنة الغائبة على أرض الواقع في ظل الإحساس بالإقصاء والتهميش وانقسام المجتمع إلى أصناف مواطنين حيث لا يعلو القانون على الجميع. مجتمع يعبر عن جميع الاختلالات البنيوية الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية في غياب رؤية لمشروع تشاركي مستقبلي ينخرط فيه الجميع بكل وطنية وفخر واعتزاز بأداء واجب الانتماء للوطن.

فتوزيع الثروات يكرس لواقع الريع واحتكار الثروة في أيدي قلة من المحظوظين من العائلات تعبيرا عن منطق القبيلة والغنيمة الذي يطبع وعي العقل العربي . فيظل الفاعل الاقتصادي واحدا و يجهز على المنافسة المولدة للحركية الاقتصادية. فيصير النظام إقطاعيا تحتكر فيه مجموعة صغيرة من الفاعلين موارد الاقتصاد ككل. يبقى الاقتصاد هشا تحت وطأة الاختلالات البنيوية وتتعمق وصاية البنك الدولي وأستاذيته. دول الشمال تنتج ودول الجنوب تستهلك وغير مقبول المس بهذه المعادلة.

ينهار المجتمع بانهيار قيم توازنه وتآكل لحمته. لم تعد قيم العمل الجاد والتفاني والإخلاص تشكل ذخيرة النجاح والتفوق والتميز داخل المجموعة بل تم استبدالها بمفاهيم ارتزاقية صرفة من قبيل الشطارة، الذكاء، النجاعة، الفعالية والفردانية. حتى الأهداف صارت مادية انتهازية من خلال تقديم نماذج لا تبث للنجاح بصلة. الإعلام يمجد كل فاسد وقح و يهمش ويحارب كل منبع علم وهداية ونقد. تختزل الثقافة في وعي الناس في ما تقدمه السلطة الناعمة من غناء وتمثيل مقرف لا يبثان للفن بصلة وتخترق إدراك المتلقي البسيط لتكوين حشد من العوام لا يفكر إلا في الاستهلاك، فيغزو كل ما هو رديء مجال المفكر فيه وينزوي كل ماهو ملتزم ونقدي إلى مجال اللامفكر فيه. وتجند لنفس الغاية شرذمة من المثقفين المرتزقة لتضليل السواد الأعظم من الناس وتركيعهم طواعية دون إبداء أي نوع من الممانعة. تطرف يفتح المجال لأنواع شتى من التطرف والشذوذ.

تستعمل اللغة الأجنبية لتقويض الهوية الوطنية وتهاجم العربية واللهجة المحلية بخلق عداوة مصطنعة بينهما لفسح المجال لسيادة لغة المستعمر على جل الأنشطة الثقافية الوطنية. فيكثر الحديث عن مصطلحات دخيلة وغير بريئة من قبيل صدام الحضارات، صراع الحضارات، التلاقح الثقافي الخ ويتم شحن المصطلحات بمفاهيم تخدم أجندة جهات معينة.       

كل ماذكرناه ينعكس على الأداء السياسي، فالمواطن في معظم البلاد الإسلامية يبقى مواطنا سلبيا لا يتابع حتى ما يقع في بلده ولا ينهض بواجباته السياسية، إذ ينتقد ولا يعبر عن تذمره واستنكاره بالطرق القانونية لمعاقبة تخاذل أداء حكوماته ولا يشارك في الانتخابات. التغيير لن يأتي إلا بالانخراط المكثف في الأحزاب لمحاربة وإسقاط الانتهازيين والوصوليين ممن يسخر المصلحة العامة لمصلحته الخاصة. كما أن التغيير لا يستمد أو يستجدى من أطراف أجنبية غالبا ما تترقب الفرصة للإجهاز على البلد واستدامة وصايتها.

يبدو أن واقع العبث ليس بواقع اعتباطي نشأ من فراغ بل هو حلقة من سلسلة الهيمنة الغربية على البلد بمعية نخبته المتواجدة بيننا والمستفيدة من تكريس وتعميق هذا الواقع الذي نحياه.

غني عن البيان القول أن النهضة الأوروبية اعتمدت في مرحلة من مراحل تطورها على غزو ونهب ثروات البلدان الضعيفة تحت غطاء نشر قيم الديمقراطية و الإنسانية وهي لازالت تقوم بذلك رغم تغير مظاهر الاستغلال.

ويبقى عزاؤنا ومصدر أملنا قوله عز وجل“ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” دون التملص عن الأخذ بالأسباب وتحمل المسؤولية ومساءلة الذات قبل الغير.

الاثنين 22 ماي 2017.
*عن افاس بريس