قناعتي انه اذا لم يقع اصلاح جذري للمشهد السياسي (جذري وجدي ) وتطوير في الثقافة السياسية والحقوقية يستجيب للحاجيات الحقيقية فإننا سنصل الى مرحلة لن يعود فيها اي معنى إطلاقا للتمييز داخل الحقل السياسي بين يمين ويسار او بين ليبرالي واشتراكي او بين اصولي يعلنها في منابره وداعية فصل بين العقدي والسياسي يعلنها في كتاباته ،او بين داعية. الهوية المنفتحة والمنافح عن الهوية التعددية. وباقي التمييزات او الثنائيات التي نعيش على إيقاع ترديدها بشكل ببغائي، والتي تعبنا من منطوقاتها الكاذبة .

ذلك انه امام النفاق السياسي المعمم والذي يكاد يصبح قاعدة سلوك في الحقل السياسي الحزبي والاعلامي يصبح الأقرب الى توصيف الواقع ورصد التناقضات الحقيقية التي تخترق الجسم الاجتماعي /السياسي ان نتحدث عن ثنائية اخرى جديدة:انها ثنائية : قول الحقيقة عارية دون رتوش ،ما يسمى ب le parler vraiمقابل اخفاء الجهر بها في الصدور والنطق بعكسها من الأفواه امام عدسات التلفزيون .

هذه اليوم هي الثنائية الحقيقية. وهذا هو خط التناقض الأساسي الذي يخترق الحديث والحكي والخطاب في الحقل السياسي .
في الفضاء الأزرق يتبدى واضحا هذا الخط الفاصل .ان نقطة البدء في مجهود اعادة بناء الحقل السياسي ليست هي الاستمرار في ترديد تلك المصطلحات والمفاهيم والكلمات الغليظة والتسابق بين الفرقاء السياسيين المختلفين /المتفقين على ترديدها بما أفقدها اي معنى او طعم .

ان نقطة البدء في اعادة بناء المجال العام (بالمعنى الذي يعطيه له الفيلسوف الألماني هابرماس)لجعل التداول فيه مجديا ومعقولا هو المطابقة بين الكلمات والاشياء ،بين المنطق والمنطوق اي تسمية الأشياء بمسمياتها والملاءمة في الخطاب وفي الممارسة بين ما يستشعر بين الضلوع وما يصرح به على الأفواه .

يرتبط بهذا ويكمله تجاوز ذلك المعنى الذي اصبح يعطى عندنا لمفهوم التوافق . وهنا ايضا لست ادري من أين جاءنا هذا الفهم للتوافق الذي يجعله مرادفا لضرورة الاتفاق على كل شيء على حساب الحقيقة .وهكذا اصبح التوافق بمثابة الاسم الاخر للنفاق .

في ظل هذا النفاق المعمم في الحقل السياسي يفقد الحوار معناه ويتحول النقاش الى مجرد هدير أصوات تصم الاذان . وبما اننا ف في شهر رمضان الأبرك فليكن دعاءنا ” اللهم زِد من قدرتنا وطاقاتنا على المطابقة بين ما نشعر به في الدواخل والافءدةوما ننطق به على الأفواه ”

ورمضان مبارك كريم للجميع.

 

الاحد 28 ماي 2017.