​الإنسان كائن تلقائي له قابلية لتلقي ثقافة مجتمعه منذ صغره، ما يعني أن التلميذ لا يأتي إلى المدرسة فارغ الذهن، بل يأتي مؤطَّرا بثقافة المجتمع وتمثلات ثقافية لم يتم التحقق منها ولا فحصها، ما يطرح مشاكل بيداغوجية وديداكتيكية شتى لأن المُتعلِّم يَفِدُ إلى المدرسة بهذه الخلفية مُعتقدا أنها بديهية، مع أنها في أغلبيتها زائفة، وهذا أمر لا ينطبق علينا وحدنا، بل يسرى على سائر المجتمعات، على نحو ما بين ذلك العديد من المفكرين.

يرى «سبينوزا Spinoza» أن أغلب ما يعتقد الناس أنه حقائق بديهية ليس سوى وعي زائف، وإيديولوجيا وتبريرات، وبالتالي فهو لا يكون واعيا ببواعث سلوكه الرئيسية، ولا متحقِّقا منها عبر فحصها والتأكد من صحتها علميا، وإنما هو مسكون بها ومنها ينساب تفكيره وسلوكه تلقائياً حتى وإن توهَّم أنه يعي اختياراته… ويؤكد «مونتسكيو Montesquieu» أن المجتمع هو الذي يُكوِّن وعي البشر ويصوغ عقولهم ووجدانهم وأخلاقهم ويحدّد منظومة قيمهم واهتماماتهم وأسلوب حياتهم بواسطة مختلف مؤسسات المجتمع… وعندما أكد ذلك، فهو كان يسير على نهج سقراط الذي كان من أسبق الفلاسفة الذين اكتشفوا زيف الوعي السائد، على نحو تبينه محاورات أفلاطون. كما ساعدت أعمال «سيغموند فرويد Freud» على النفاد إلى «لا شعور» الإنسان وفهم تأثيره في تفكيره وسلوكه، ما يثبتُ أيضا أن الفرد يتشبع بثقافة مجتمعه تلقائيا ودون أن يتحقق منها…. وأضاءت أبحاث « غاستون باشلار G. Bachelard» الطريق للتمييز بين التفكيرين العامِّي والعلمي، حيث أظهرَ أنَّ الأول يُشكل عوائق إبستمولوجية يلزم وعيها وممارسة القطيعة معها للتمكن من بناء معرفية علمية…

إضافة إلى ذلك، تختلف أنماط الوعي لدى الأفراد والمجتمعات باختلاف الثقافات؛ فما يتشبع به الفرد في أي مجتمع هو في الغالب نمط من أنماط الوعي الزائف الذي تنتجه الثقافات المتنوعة التي لم تتكون على أساس البحث العلمي القائم على الشك والاختبار والفحص والتحليل والتحقق والمراجعة والنقد، وإنما تشكَّلت بشكل تلقائي. لذلك، تتوارث الأجيال في كل الثقافات وعياً تكوَّن عفويا، فاختلطت فيه الحقائق بتضارب الأهواء وتراكم الأخطاء وضبابية التصورات ومغالطات الصراعات والحروب وأحقادها… دون أن تقوم بأي مراجعة موضوعية علمية لذلك الوعي. بل إن العلم ذاته ما يزال إلى الآن نشاطاً استثنائياً ليس له تأثير كبير على أسلوب تفكير الناس، خصوصاً في الثقافات المغلقة التي تخاف التغيير وترفض النقد العقلاني والمساءلة الموضوعية…

وفي حالة عدم الإحاطة بالبنية الثقافية التي يدخل بها التلميذ إلى المدرسة، فسيتم اللجوء تلقائيا إلى إضافة معلومات إلى أخرى دون القدرة على توفير شروط ديداكتيكية تمكن المتعلم من وعي عوائقه وبناء مفاهيم، ومن ثمة بناء ذاته وقيَّمه….

​فتراكُم المعلومات لا يؤدي إلى تحوٌّل نوعي، إذ ليس العلم تجميع معلومات ومُراكَمة لها، بل هو تغيير تصورات زائفة وبناء أخرى سليمة. ذلك أنَّ إعطاء معلومات إضافية هو مجرد إضافة أعباء إلى المتعلم الذي هو في حاجة إلى اكتساب أساليب للتفكير والانفتاح على المزيد من التغير الفكري المستمر. وهذا يفترض توفير شروط ديداكتيكية تمكِّن التلميذ من التفكير من داخل المادة الدراسية، ليصبح قادرا على الإلمام بمبادئها وبناء مفاهيمها واكتساب أساليبها في إنتاج المعرفة… ويقتضي هذا خروج المتعلم من النسق الثقافي العامِّي للمجتمع الذي يحمله معه إلى المدرسة، وذلك بخلخلة ما استقر في ذهنه من أوهام…

​علاوة على ذلك، توجد اليوم معارف كثيرة رهن إشارتنا، لكن لماذا نعجز عن استثمارها والإنتاج بها وفيها؟ لأن المعضلة ثقافية أساسا، ومن أدلَّة ذلك أنَّ طلابنا يُسافرون إلى الدراسة في الجامعات الغربية، لكن تأكد أن أغلبهم راكموا معلومات يطبقونها بشكل آلي دون إدراك الثقافة والعقل اللذين تنهض عليهما، ما يحول بينهم وبين الفهم العميق لمفاهيم حقولهم المعرفية نفسها، والقدرة على إنتاج معرفة بها وتبيُّن حدودها وتجاوزها، من جهة، ويشكل من جهة ثانية أحد عناصر تفسير عجز مجتمعاتنا عن الإسهام في تطوير الحضارة الإنسانية.

​يشكل كل ما سبق ورشا كبيرا يُحتِّم انخراط المؤسسات التربوية في تطوير خطابات ديداكتيكية تساعد على الخروج من هذا المأزق. بدون ذلك، سيُواصلُ التعليمُ تكريسَ التخلف والعجز. فبناء المعارف لا يقتضي فقط قدرة المتعلم على استعمال عُدَّة تقنية فحسب، بل يستوجب أساسا تكوين حالة ذهنية لديه، إذ ينبغي أن يكون راشد المستقبل قادرا على تقدير الرهانات وتحدِّي الذات والآخر في آن.

يلاحظ المتأمل في نظامنا التعليمي أن التدريس عندنا لا يعد الفرد للوعي بالرهانات المحلية والكونية، إذ يقوم هذا النظام على طرائق وقواعد… لا تمكن من أكثر من المواجهة الآلية لوضعيات معروفة ومتكررة، كما لا تُعلم سوى طاعة القواعد المعمول بها في المدرسة… وللتدليل على ما نقول، يكفي أن ننظر إلى ما تقتضيه الامتحانات المدرسية عندنا، وإلى كيفية تحضيرها، فيتضح أننا نسير في الاتجاه المعاكس للتوجهات التربوية الحديثة التي تركز على ضرورة اكتساب المتعلم للقدرة على خلق قيم جديدة أكثر من الحفاظ على القديمة (L. Cros, 1981). وفي إطار هذه الدينامية، يشكل تجاوزُ الذات لذاتها ومواجهة التحديات قواما حقيقيا لبناء المعرفة والإنسان في آن…
لقد كانت الطريقة الحوارية السقراطية المذكورة أعلاه تعري التناقضات القابعة في الفرد، فتفرض عليه مواجهة ذاته. وإذا كان التعلم ليس إضافة معارف جديدة إلى أخرى قديمة، فمواجهة الفرد لتمثلاته الخاصة تصبح مقاربة أساسية يجب استغلالها في التدريس. ألم يقل «ج. بياجيه J. Piaget » نفسه إن التعلم هو تجاوز سلسلة من الصراعات؟
إننا نتعلم مع الآخرين وبهم، وذلك عبر التبادلات والمواجهات والشك في بعض التمثلات… وإذا كنا نستعمل الآخرين في تعلمنا، فإننا نساعدهم في الوقت نفسه في أن يتعلموا بأنفسهم. وهذا ما يبين الأهمية الكبرى للصراع السوسيو-معرفي في التعلم.

والتعلم من أجل ذاتنا هو أيضا تعلم من أجل الآخرين، لأنه يؤدي إلى الاستخدام الاجتماعي للمعارف المكتسبة، ممَّا يكشف عن معنى المعرفة ودورها.
إذا كان من غير الممكن الفصل بين بناء الإنسان لذاته وبنائه لمعرفته، فإن بناءهما لا يكمن فقط في وضع المتعلم أمام صعوبات، بل وكذلك في القدرة على تجاوزها. ولتحقيق ذلك، ينبغي أن يتحول الإنسان إلى فاعل قادر على ركوب المخاطر. لكن عندما ننظر إلى ما يقوم به تلاميذنا، فإننا نجدهم يقفون جامدين عند ظهور مشكلة معينة أمامهم، وينتظرون من يأتي لنجدتهم عبر تزويدهم بما يجب فعله ! ويعود موقفهم هذا، بشكل كبير، إلى العادات التي تكونت لديهم منذ صغرهم داخل أوساطهم الأسرية. لكن لا ينبغي اتخاذ هذا ذريعة لنفي مسؤولية المدرسة نفسها عن ذلك.

تبعا لذلك، يجب أن تُعلم المدرسة التلاميذ كيفية تجاوزهم لذواتهم، لأن انخراطهم في البحث يحركهم ويثير فضولهم المعرفي ويشجعهم على التفكير والالتزام والفعل. أما إمدادهم بكل التسهيلات، فلا يؤدي سوى إلى شلهم. أضف إلى ذلك أن تجاوز عائق معين من لدن المتعلم قد يشكل محركا يؤهله للدخول في دينامية جديدة تجعله ينخرط في مشروع آخر…

وهكذا يجب تطوير وضعيات تعلُّمية تخلق لدى المتعلم جرأة على الشك ليبحث ويبتكر ويمنح الثقة لما يمكن أن يظهر طوباويا أحيانا. كما ينبغي عدم رفض كل ما هو غريب وغير متداول. فغالبا ما يواجه الباحثون الأمر نفسه عندما يضطرون للشك في ما وضعه أسلافهم وأساتذتهم الذين يحترمونهم. إن هذا أمر صعب، لكن مهمة الباحث تقتضي جعل الممكن معروفا والحلم بتحقيق ما هو غير ممكن.

انسجاما مع ذلك، يغدو من الضروري أحيانا عدم الاكتفاء بالفهم، إذ يجب أيضا الالتزام، مما يقتضي الانتقال من الكوجيتو الديكارتي «أنا فكر، إذن أنا موجود» إلى ما قاله «ألبير كامو Albert Camus »: «أتمرد، إذن أنا موجود».

ولا يسري هذا الكلام على التلاميذ وحدهم، بل يهمّ أيضا المدرسين الذين ينبغي أن ينخرطوا باستمرار في تنويع مقاييسهم وممارساتهم وتجديدها عبر استعمال خيالهم… وقد يظهر للبعض أن في هذا نوعا من التمرد، لكن ما لا يتم الانتباه إليه هو أن عدم إقدام المدرسين على فعل ذلك يغلق أمامهم أبوابَ التكيف مع ظروف التلاميذ المعقدة، ويحول دون تمكينهم من الانخراط في إنتاج المعرفة…

الرباط : محمد بوبكري

الاثنين :  29 ماي 2017.