تلتقي في الحسيمة اليوم، رباعية قوية تجمع ما بين
الدين،
والأمن
والحق
والقانون ..
هناك حادثة المسجد
وبلاغ الوكيل العام..
واعتقال نشطاء الشارع العام
والمسألة الحقوقية..

الثلاثية الأولى ثلاثية «حدية»، أي تقف على حدود الصدام والزاوية، فهي ضيقة لا يمكن مقاربتها بدون آثار جانبية قوية، في حين أن المسألة الحقوقية قد راكمت في مغرب العهد الجديد أدبيات وممارسات وآفاقا تسمح بالتجاوز السليم للاستعصاء الحالي..
وخلف هذه الثلاثية مركبات عديدة، في اللغة، وفي السياسة وفي التقدير الجماعي للمرحلة..
لنقلها من بداية الطريق: لا فائدة لبلاد شابة ودينامية في فشل دينامية احتجاجية سلمية، بسقف وطني واضح، وبمشروعية شعبية لا غبار عليها…
ونضيف، ثانية، إن الوقت قد حان لكي يكون للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، كآلية وطنية معترف بجديتها، رأي ودور في فك الانحباس الاجتماعي والحقوقي الذي تنذر به تطورات الوضع..

وهناك ثلاثة أسباب رئيسية، واضحة وحادة، لا تحتاج منا إلى أي تسويغ سياسي أو تنظيري، لمثل هذا التحرك.
1- المجلس الوطني لحقوق الإنسان يشكل اليوم آلية وطنية معترفا بها في الدور الاستشاري وهو ما يجب على الدولة أن تلتزم به وترافع من أجله لفك أي استعصاء حقوقي أو اجتماعي متفرع عنه….
وهو في ذلك يكون ،مجتمعيا، مسنودا بآلية الدفاع الحقوقي ونقباء القضايا الكبرى..وهيئات الدفاع المدني وكل الفاعلين في مجال حفظ الحقوق وتحصينها…
2- المجلس الوطني لحقوق الإنسان هو الصيغة النهائية والشكل المؤسساتي الذي اكتسته العدالة التصالحية في بلادنا.
وما من شك اليوم في أن الحسيمة خصوصا والريف عموما، شكلا بؤرة أساسية أولا في مراحل انتهاك حقوق الإنسان، وثانيا في مسلسل المصالحة الثلاثية الأبعاد: مصالحة مع الماضي.

مصالحة مع المجال

المصالحة مع الثقافة واللغة وترتيب ما يجب ترتيبه على أساس هذه المصالحات الثلاث.. وربما، هي من بين مناطق أخرى قليلة (الأطلس ) التي تكرست فيها هذه الأبعاد، فعانت من سنوات الرصاص الطويلة، وعانت من سنوات التخريب الثقافي والقيمي وعانت من جغرافيا التهميش والعقاب المجالي ..
وبذلك فإن المرحلة التي نعيشها، قد لا تكون هذه الأبعاد غائبة، شعوريا أو لا شعوريا فيها..
3- وجود «أدبيات» قانونية وأمنية غزيرة في خضم هاته الأحداث التي نعيشها، من بلاغ وكيل الملك الأول إلى بلاغ وكيل الملك الثاني، إلى حدوث اعتقالات، …وحيث ما يحضر صوت القانون أو صوت القضاء أو صوت الأمن، فلا يمكن أن يغيب صوت الحقوقيين، ولاسيما الهيئة الموكول لها متابعة تصفية الماضي من كل نزوعاته التي يمكن أن تعلق بالحاضر، ويتعلق الأمر بمصاحبة المصالحة الوطنية الكبرى، وتغليب المقاربة الحقوقية على مقاربة أمنية ظلت هي سيدة الموقف لعقود.
فنحن، في واقع الأمر ما زلنا في بداية المشوار من هذه الناحية، مقارنة مع عقود طويلة من المقارنات الأخرى، بالرغم من كل مبرراتها التي قد يسوقها هذا الرأي أو ذاك..
وقد راكمت هذه الهيئة ما يكفي من المرجعيات العملية في فك النزاعات أو عرض الحلول أو تيسير المفاوضات، بعيدا عن شد الحبل وموازين القوى ورهاناتها..وسيكون ولا شك من السابق لأوانه التنبؤ بمستقبل هذه الوساطات أو الحوارات، في وضع متوتر .. ولكن الذي يجب أن يسارع إلى فك التشابك، بين الديني، والسياسي، والحقوقي والأمني، في مربع العمليات الريفي هو الدولة، بعقلها الراجح والذي ينظر إلى المستقبل، وعدم حشر القضية في الزوايا الضيقة:الدينية، الأمنية، الانفصال والتخابر الأجنبي …وغير ذلك. فهي زوايا ضيقة للغاية، لا طريق فيها سوى طريق الصراع والحسابات الحَدِّية ..
4- من حقنا أن نسأل:كم ابتعدنا عن الماضي الصعب؟ وبأي سرعة يمكن العودة إليه، وهذان السؤالان في تقديري لا يستطيع الجواب عنهما، من بين هيئات قليلة، سوى المجلس المنذور لمهمة كبيرة تتلاقى فيها مصالحة الجغرافيا بمصالحة المجال بمصالحة الإنسان مع مستقبله قبل ماضيه..
نحن لا يمكن أن نلغي الخوف من ترسبات الماضي،
ولا يمكن أن نجنب أنفسنا الخوف من عودة الدم والفزع
ولا يمكن أن نعفي أنفسنا من مقاربات مجتهدة تأنس إلى الموقف الراجح أو العاطفي أو الرد الذي تثبت الدولة به قوتها، فالدولة هي أولا وقبل كل شيء صبر كبيييييير!
ومن يساعدها على ذلك ، هو الحق، والحقوق الإنسانية.

 

الاثنين : 29 ماي 2017.