عناصر تفكير حول التسويغ الديني لمتابعة نشطاء الحراك الاجتماعي في الريف…

*(1)*

 لربما سينسى الناس حادثة المنبر، ويحتفظون فقط بالاعتقالات التي وقعت والسياق السياسي والاجتماعي الذي يرافقها ، ثم الأفق الحقوقي لها..كدليل على أن الأشياء لا تبقى دوما خاضعة للمنطق الذي بدأت به!
وكما لا يمكن التسليم بما فعله الزفزافي في المسجد أو سبقه إليه مصلون آخرون في فاس في دجنبر من السنة الماضية أو فعلته الدولة نفسها في قضية امام خنيفرة عندما دخل رجال الأمن الى المسجد بِعُدتهم لطرد إمام معفى ، لا يمكن أيضا أن نسجن البسيط المباشر في المعقد المركب..

لست من الذين يريدون أن يضيفوا إلى جدول أعمال الحراك الاجتماعي في الريف ،نقطة مستعصية من قبيل علاقة «الدولة والمساجد»، أو الدين والفضاءات المسنودة للعبادة. ذلك إشكال تاريخي لا يمكن أن يعتبر »حاشية» سريعة في ملف آني وحارق اجتماعيا.
غير أن ما هو أساسي ، في القضية يعود إلى التسويغ الديني لمتابعة نشطاء الحراك الاجتماعي في الريف، ووضعه في سياقه ، لا سيما مع محاولات عديدة لتديينه( من الدين ) أو تطييفه(من الطائفة)..!

 وقد كان ظهير «فصل المساجد عن السياسة »، موجها أساسا للأمة، لا لغيرهم..
وليس للمصلين..
وبالتالي فإن تحديده القول :« ويمنع الإخلال بشروط الطمأنينة والسكينة والتسامح والإخاء، الواجبة في الأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي».
كان المقصود به الأئمة..أكثر من سواد الأمة!
أخطأ الذين جروا النقاش إلى مرجعيته الدينية، سواء الفيزازي أو الفقيه أو الزفزافي..يضاف إلى ذلك الجو العام الذي يميل إلى تركيبة اجتماعية عقدية، بدأت مع ما يجري في الشرق العربي، الشيء الذي فرض مراقبة صارمة على كل ما يروج داخل المساجد….
منذ سنوات خلت رافعت ضد الدولة في ممارسة تمس حرمات المساجد في قضية إمام خنيفرة .. (المقال : للمساجد حرمتها ) وقلت أنه «تتفاعل بمدينة خنيفرة قضية إمام مسجد، ينتمي إلى جماعة العدل والإحسان، تم عزله وتقديمه للمحاكمة.. وكان هذا الإمام يؤم المصلين ويخطب فيهم كل يوم جمعة.. صحيح أنه تم إعفاؤه، وأنه لم يلتزم بالقرار، في قومة فردية لا يمكن إلا أن نعتبرها من نوع العصيان والرفض لقرار رسمي من الجهة التي سلمته الترخيص أول مرة.. لكن الطريقة التي تم بها تطبيق القرار لا يمكن أن تكون مقبولة أبدا.. فقد دخل رجال السلطة إلى المسجد والرجل فوق المنبر ، وتم توقيفه وطرده بدون مراعاة لحرمة المقام ولا للعيون الشاخصة للمصلين وهي تتابع الأمر..إنه سلوك يفوق الخطأ، ويتعداه إلى صب الماء في طاحونة كل الخطابات المتطرفة ….
كان من صلب التحول الدستوري هو تغيير الفصل 19 الطيب الذكر، وبالتالي تحويله إلى عكس روحه السابقة أي كضمانة دستورية ضد أي مشاريع ترنو إلى “تديين قواعد اللعبة السياسية “.. وفي هذا الصدد أخطأ الذين جروا النقاش إلى مرجعيته الدينية، سواء الفيزازي أو الفقيه أو الزفزافي..يضاف إلى ذلك الجو العام الذي يميل إلى تركيبة اجتماعية عقدية، بدأت مع ما يجري في الشرق العربي، الشيء الذي فرض مراقبة صارمة على كل ما يروج داخل المساجد….

*(2)*

في‭ ‬المسجد‮: “‬‭ ‬لا‭ ‬الناشط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ينبغي‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬إماما ‏‭ ‬ولا‭ ‬الإمام‭ ‬ناشطا‭ ‬اجتماعيا‪” ‬ ‮!

لست من الذين يريدون أن يضيفوا إلى جدول أعمال الحراك الاجتماعي في الريف ،نقطة مستعصية من قبيل علاقة «الدولة والمساجد»، أو الدين والفضاءات المسنودة للعبادة. ذلك إشكال تاريخي لا يمكن أن يعتبر »حاشية» سريعة في ملف آني وحارق اجتماعيا.
غير أن ما هو أساسي ، في القضية يعود إلى التسويغ الديني لمتابعة نشطاء الحراك الاجتماعي في الريف، ووضعه في سياقه ، لا سيما مع محاولات عديدة لتديينه( من الدين ) أو تطييفه(من الطائفة)..!

وعلينا أن نتابع الأمر بما يلي:

(1)ناصر الزفزافي، الذي لن يشاطره أي أحد سلوكه إزاء المسجد والصلاة… ‬يقول إنه كان‭ ‬يؤدي‭ ‬صلاته‭ ‬كما‭ ‬اعتاد‭ ‬ذلك،‮ ‬وبالتالي‮ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬بدون‭ ‬صفة،‭ ‬ولا‭ ‬وضع‭ ‬اعتباري،‭ ‬أي‭ ‬لا هو‮ ‬قائد‭ ‬حراك‭ ‬ولا‭ ‬مفتيه‮..‬
‏‭ ‬و‭ ‬الفقيه‭ ‬الإمام‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يؤدي‭ ‬الخطبة،‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬وضعه‭ ‬الاعتباري‭ ‬كخطيب‭ ‬وإمام‭ ‬جمعة‮.‬
لا‭ ‬ينبغي‭ ‬لأي‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬ينزلق‭ ‬إلى‭”وضع‮”‬‭ ‬الآخر‭ ‬الاعتباري‮..!‬‭ ‬
الإمام‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يحافظ‭ ‬للدولة‭ ‬على‭ ‬ذاكرتها،‭ ‬لأن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬ذاكرتها‭ ‬قصيرة‭ ‬معضلة!وتعيد‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬تاريخ‭ ‬أخطائها‮..‬
و‭ ‬الحال‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬وأمير‭ ‬المؤمنين‭ ‬قد‭ ‬أصدر‭ ‬ظهيرا‭ ‬في‭ ‬2014،‭ ‬يحظر‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬أئمة‭ ‬المساجد‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬السياسة‮..‬‭ ‬لأن‭ ‬الظهير‭ ‬قال‭ ‬‮:”‭ ‬ويمنع‭ ‬الإخلال‭ ‬بشروط‭ ‬الطمأنينة‭ ‬والسكينة‭ ‬والتسامح‭ ‬والإخاء،‭ ‬الواجبة‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المخصصة‭ ‬لإقامة‭ ‬شعائر‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي‮”‬،‭ ‬بالحرف‮!‬
كان‭ ‬على‭ ‬القرار‭ ‬الديني‭ ‬أن‭ ‬يحافظ‭ ‬لهذا‭ ‬الظهير‭ ‬على‭ ‬راهنيته‮..‬فهو لا يسقط بالتقادم.
‏‭ ‬نتذكر‭ ‬أن‭ ‬‮”‬حظر‭ ‬النشاط‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬الشأن‭ ‬الديني‮”‬،‭ ‬أثار‭ ‬جدلا‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬اعتبره‭ ‬أداة‭ ‬لتحييد‭ ‬المساجد‭ ‬قبيل‭ ‬الانتخابات‭ ‬‮-‬‭ ‬ونحن‭ ‬منهم‭ ‬‮-‬‭ ‬وبين‭ ‬من‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬تكريسا‭ ‬لاحتكار‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المؤسسة‭ ‬الملكية‭- ‬والتيارات‭ ‬الدينية‭ ‬السياسية‭ ‬منهم‮ -!‬‭ ‬
وكان‭ ‬الزمن‭ ‬زمنا‭ ‬رمضانيا‮..‬‭ ‬
‏‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬‮”فصل‭ ‬المساجد‭ ‬عن‭ ‬السياسة‮”‬،‭ ‬موجها‭ ‬أساسا‭ ‬للأمة،‭ ‬لا‭ ‬لغيرهم‮..‬
وليس‭ ‬للمصلين‮..‬
وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬تحديده‭ ‬القول‭ ‬‮:” ‬ويمنع‭ ‬الإخلال‭ ‬بشروط‭ ‬الطمأنينة‭ ‬والسكينة‭ ‬والتسامح‭ ‬والإخاء،‭ ‬الواجبة‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المخصصة‭ ‬لإقامة‭ ‬شعائر‭ ‬الدين‭ ‬الإسلامي”.‬
كان‭ ‬المقصود‭ ‬به‭ ‬الأئمة‮..‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سواد‭ ‬الأمة‮!‬
وقد‭ ‬صار‭ ‬المقصود‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬المصلين‭ ‬أو‭ ‬بعضهم‮.‬‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬المتتبع‮..‬
يهمنا هذا الجرد، لأن تفاعلات أخرى ستنضاف مع الأحداث، ومع المحاكمات لا قدر الله!
‮ ‬‏‭ ‬‮-‬‭ ‬الزفزافي‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يحافظ‭ ‬لنفسه‭ ‬على‭ ‬وضعه‭ ‬الاعتباري‮:‬فهو‭ ‬قائد‭ ‬حراك‭ ‬اجتماعي،‭ ‬ووجهه‭ ‬المركزي،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬ليس‭ ‬ندا،‭ ‬ولا‭ ‬بديلا‭ ‬للإمام‭ ‬الذي‭ ‬‮”‬اختلف‮”‬‭ ‬مع حق‭ ‬الدولة‭ ‬والظهير‭ ‬الملكي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬النشطاء‮..‬
ولا‮ ‬يمكن أن ننتظر أن‮ ‬يبحث المؤمنون وغيرهم من المغاربة عن تبرير لما وقع في‮ ‬شرط الندية بين الناشط والإمام‮..‬
وكما رفضنا حادثة مسجد فاس في‮ ‬ما سبق،‮ ‬عندما تم توقيف إمام المسجد من طرف جماعة‮ ‬غاضبة‮ ‬،‮ ‬نرفض‮ ‬،‮ ‬ولو باسم حراك نبيل،‮ ‬أن‮ ‬يتصرف الناشط الحقوقي‮ ‬كما لو كان صحابيا‮!!‬
كما أن الزج‭ ‬بالمساجد‭ ‬بعيدا عن روح‮ ‬‭ ‬الظهير،‭ ‬كان‭ ‬تقديرا‭ ‬سياسيا‭ ‬وروحيا‭ ‬غير‭ ‬موفق‭ ‬في‮ ‬تقدير العبد الضعيف لرحمة ربه،‭ ‬وأعطى‭ ‬نتيجة‭ ‬عكسية‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬يراد‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الخطبة‮..‬‭ ‬علما أن المساجد لا تليق ككمائن‮!‬
‏‭

(2) ‬لقد‭ ‬بدأ‭ ‬‮”‬تديين‮”‬‭ ‬الحراك‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬المسجد‭ ‬لما‭ ‬توجه‭ ‬محمد‭ ‬الفيزازي‭ ‬برسالة‭ ‬في‭ ‬الموضوع،‭ ‬عاد‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬المرجعيات‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬تسويغ‭ ‬دعوته‭ ‬لناصر‭ ‬الزفزافي‭ ‬بالتزام‭ ‬التفكير‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬منطق‭ ‬الدولة‮!‬
وهو‭ ‬خيار‭ ‬لا‭ ‬عيب‭ ‬فيه،‭ ‬سوى‭ ‬أنه‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬الطابع‭ ‬المرجعي‭ ‬العقدي‭ ‬للنقاش‮..‬وللخلاف‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬الحراك وطبيعة‭ ‬دوافعه‭ ‬ومعالجته‮..‬‭ ‬حتى بدا أن من المنطقي أن يكون المسجد فضاء للحراك!!!
عن خطأ كبير..

(3)لقد‭ ‬ظل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأئمة،‭ ‬ينشطون‭ ‬لفائدة‭ ‬أطروحات‭ ‬سياسية،‭ ‬تصل‭ ‬أحيانا‭ ‬إلى‭ ‬الهجوم‭ ‬على‭ ‬أحزاب‭ ‬سياسية‭ ‬بعينها،‭ ‬ومنها‭ ‬الاتحاد‭ ‬الاشتراكي‮ ‬وعموم اليسار‮..‬
ولم‭ ‬يكن‭ ‬المصلون‭ ‬يعدمون‭ ‬في‭ ‬صفوفهم‭ ‬وجود‭ ‬اتحاديين‭ ‬في‭ ‬المساجد،‭ ‬لكنهم‭ ‬كانوا‭ ‬يختارون‭ ‬دوما‭ ‬الرد‭ ‬من‭ ‬المنبر‭ ‬الذي‭ ‬يملكونه:الفضاء‭ ‬العمومي،‭ ‬إما‭ ‬بالإعلام،‭ ‬أو‭ ‬بمساءلة‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬بالتنديد‭ ‬عبر‭ ‬الوقفات‭ ‬خارج‭ ‬الحرم‭ ‬العقدي‮..‬
أي‮ ‬بعيدا عن أي‮ ‬رد شبيه بما فعله ناصر الزفزافي‮..‬
ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬ذهننا‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬القرار‭ ‬الأمني‭ ‬والقضائي‭ ‬على‭ ‬واقعة‭ ‬دينية‭ ‬داخل‭ ‬الحرم،‭ ‬وتعميمها‭ ‬ضد‭ ‬كل‭ ‬النشطاء‭ ‬بلا‭ ‬تمييز،‭ ‬فيه‭ ‬غير‭ ‬قليل‭ ‬من روح‭ ‬الفصل‭ ‬القديم‭ ‬إياه،‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬حسم‭ ‬التوتر‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بالقرار‭ ‬الديني‭ ‬وروحه‮…‬‭.‬وتصعيد لا جدوى منه‮!‬

(4) ‬ يجب أن نعود إلى السياق الدستوري دوما، إذ ‬كان‭ ‬من‭ ‬صلب‭ ‬التحول‭ ‬الدستوري‭ ‬هو‭ ‬تغيير‭ ‬الفصل‭ ‬19‭ ‬الطيب الذكر،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬عكس‭ ‬روحه‭ ‬السابقة‭ ‬أي‭ ‬كضمانة‭ ‬دستورية‭ ‬ضد‭ ‬أي‭ ‬مشاريع‭ ‬ترنو‭ ‬إلى‭ ‬‮”‬تديين‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬السياسية‭ ‬‮”..‬‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬أخطأ‭ ‬الذين‭ ‬جروا‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬مرجعيته‭ ‬الدينية،‭ ‬سواء‭ ‬الفيزازي‭ ‬أو‭ ‬الفقيه‭ ‬أو‭ ‬الزفزافي‮..‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الجو‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬تركيبة‭ ‬اجتماعية‭ ‬عقدية،‭ ‬بدأت‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬العربي،‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬فرض‭ ‬مراقبة‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يروج‭ ‬داخل‭ ‬المساجد‮…‬‭. ‬
‏‭(5)‬كل الذين‮ ‬يسعون إلى جعل‮” ‬الله سبحانه وتعالى عم‮ ‬يصفون‮ ‬فاعلا سياسيا‮”‬،‮ ‬يسعون في‮ ‬الواقع إلى حصر الصراع في‮ ‬زاوية ضيقة تكون حلولها عنيفة بالضرورة‮..‬
ولربما سينسى الناس حادثة المنبر،‮ ‬ويحتفظون فقط بالاعتقالات التي‮ ‬وقعت والسياق السياسي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬الذي‮ ‬يرافقها‮ ‬،‮ ‬ثم الأفق الحقوقي‮ ‬لها‮..‬كدليل على أن الأشياء لا تبقى دوما خاضعة للمنطق الذي‮ ‬بدأت به‮!‬

منذ سنوات خلت رافعت ضد الدولة في ممارسة تمس حرمات المساجد في قضية إمام خنيفرة .. (المقال: للمساجد حرمتها): تتفاعل بمدينة خنيفرة قضية إمام مسجد، ينتمي إلى جماعة العدل والإحسان، تم عزله وتقديمه للمحاكمة.. وكان هذا الإمام يؤم المصلين ويخطب فيهم كل يوم جمعة.. صحيح أنه تم إعفاؤه، وأنه لم يلتزم بالقرار، في قومة فردية لا يمكن إلا أن نعتبرها من نوع العصيان والرفض لقرار رسمي من الجهة التي سلمته الترخيص أول مرة.. لكن الطريقة التي تم بها تطبيق القرار لا يمكن أن تكون مقبولة أبدا. فقد دخل رجال السلطة إلى المسجد والرجل فوق المنبر ، وتم توقيفه وطرده بدون مراعاة لحرمة المقام ولا للعيون الشاخصة للمصلين وهي تتابع الأمر.. إنه سلوك يفوق الخطأ، ويتعداه إلى صب الماء في طاحونة كل الخطابات المتطرفة ، بل لا نحتاج إلى التخوف من الفكر المتطرف والتكفيري لكي نستهجن مثل هذا السلوك ونرفضه رفضا باتا.نحن مسلمون ونعرف أن مثل هذه التصرفات تعتبر مسا بحرمة بيوت الله،. كما أنها تكرس صورة الدولة التي لاتراعي قدسية المكان، ولن نعدم من ينشر في الناس أن المسجد لم يعد عتبة تقف عندها سلطة البشر وما إلى ذلك. لقد كان من الممكن أن يتم توقيف الخطيب قبل دخوله، أو انتظار إنهائه للصلاة لكي ينفذ القرار، أما وأن لا يشفع المسجد لأحد في تأجيل القرار أو تسويغ تطبيقه، فذلك مما لا يقبله الحس الديني المغربي..تماما كما حصل بمسجد عبير بسيدي مومن بالدار البيضاء ، خلال صلاة العشاء يوم السبت الماضي.. إنما للمساجد حرمتها، ولا يمكن أن يقبل المس بنورانية المكان ووداعته الروحانية بأي مبرر كان.. فالطمأنينة في أماكن العبادة، جزء من الأمن الروحي والديني ولا يمكن أن تحتمل أي مبرر سلطة أو مبرر سلوكي من أي كان. لكل روحانية وتدين هندسته، للصلاة في الإسلام اتساع الأرض ، نعم، لكن أيضا حدود في المكان لا يمكن أن يطأها رجل السلطة.. وإذا كانت الدولة، التي تملك وحدها شرعية العنف، لضمان الأمن الروحي مجبرة على سلوك روحي في الأمن فالأشخاص والجماعات لأسباب أكثر خطورة لا يملكون إلا أن يكونوا مثلها)..للحق وللتاريخ.

 

الخميس 01يونيو 2017.