لا أعتقد أن الناس تحدثوا في القرون الماضية عن بداية “القرن الجديد” مثلما تحدث الناس في عصرنا عن “قرننا”، هذا الذي يعدونه “الحادي والعشرين”! ومع ذلك فلا بد من الاعتراف بأن الحديث عن “القرن” وأصحاب “القرن” حديث “أزلي” عند كثير من الشعوب وفي كثير من الحضارات.

ففي الحضارة العربية الإسلامية مثلا كان هناك دوما حديث عن القرن الجديد. وكانت هناك دوما آمال معلقة على “كل مائة سنة” بناء على حديث مشهور يقول : “إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها” (أو : أمر دينها”). وواضح أن المقصود بالتجديد هنا هو الإصلاح، أي بناء أمور الدين على المصلحة العامة، لا كما كانت في عصر مضى وانقضى، بل كما تتجدد في كل عصر. وقد اهتم القدماء والمحدثون من علماء الدين في الإسلام بوضع لوائح للمجددين والمصلحين في التاريخ الإسلامي منذ وفاة الرسول إلى عصرنا. والمجدد الذي اقترن اسمه بالإصلاح في القرن العشرين والذي يحظى بأكبر قدر من الاتفاق، على الأقل عند أهل السنة، هو الشيخ محمد عبده (1849-1905)، فهو المجدد في القرن العشرين بلا منازع.

وإذا نحن قارنا بين فكر محمد عبده الإصلاحي -الذي انبثق في نهايات القرن التاسع عشر وشع وانتشر مع بدايات القرن العشرين- وبين ما رُوِّج له في نهايات هذا الأخير، ويروج له الآن، باسم الإسلام، لكان علينا أن نندب حظ الأجيال الصاعدة التي ستقضي معظم عمرها في هذا القرن. ومع ذلك فالأرض تدور، وما دامت تدور فالأيام دول، وما دامت الأيام دول فالعقل لابد سيعود.

لننزع إذن النظارات السوداء ولنلبس نظارات العقل ولنفحص معنى “القرن” عندنا وعند غيرنا لعلنا نعود إلى رشدنا، فنرى الأمور من المنظور التاريخي الأرحب.

إذا نحن عدنا إلى أصول تراثنا الإسلامي فسنجد أن أول استعمال لكلمة “قرن” قد ورد في قوله تعالى : “أو لم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن” (الأنعام 6 -وردت في مثل هذا السياق مرات عديدة). وينقل صاحب “لسان العرب” آراء اللغويين في معنى “القرن” بمناسبة هذه الآية فيقول: “قال أبو اسحق: القرن ثمانون سنة، وقيل سبعون سنة، وقيل هو مطلق من الزمان، وهو مصدر قرن يقرن. قال الأزهري: والذي يقع عندي، والله أعلم، أن القرن: أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم، قلَّت السنون أو كثرت”. فمعنى “القرن” مقرون إذن بالإصلاح، وبالتالي يمكن القول إنه مادامت تباشير الإصلاح والتجديد لم تظهر فـ” القرن” الجديد لم يبدأ. أما البداية الزمنية، أما عدد السنين، فلا يتحدد القرن بهما وحدهما.

وفي هذا المعنى أيضا يورد صاحب “لسان العرب” حديثا نبويا يروى بالصيغة التالية: “خيركم قرني (يعني أصحابي) ثم الذين يلونهم (يعني التابعين) ثم الذين يلونهم” (يعني الذين أخذوا عن التابعين). غير أن هذا لا يعني أن التاريخ الإسلامي محكوم عليه بالابتعاد عن روح الإسلام بتوالي الأجيال، فالحديث السابق (“إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”) يقطع الطريق أمام هذا الاستنتاج الذي يتنافى مع روح الإسلام ورسالته. ومما يلفت النظر أن “تجديد” الدين على رأس كل مائة سنة لن يكون برسول ولا بنبي، لأنه “لا نبي بعدي” كما قال صلى الله عليه وسلم، ولأنه “خاتم النبيين والمرسلين” بنص القرآن. وإذ فالتجديد في الإسلام أداته العقل، والعقل وحده. ويبرر بعض المفسرين ختم البنوة بكون العقل البشري قد أصبح في وضع يستطيع معه أن يسوس البشر وأن يستنبط من الأصول المقررة ما يجعل مقاصد تلك الأصول تستجيب لتطور المصلحة العامة التي هي الأصل الأول في التشريع. أما التنصيص على أن خير قرن في الإسلام هو قرن الصحابة ثم الذي يليهم الخ، فهذا أمر طبيعي. فالبداية في كل مسلسل تاريخي، وعند جميع الشعوب، محترمة مقدسة لأنها هي الأصل الذي بدونه لم يكن هناك ما بعده. هذا يعم اليهودية والمسيحية والإسلام وجميع الديانات. فلنتجنب إذن الأحكام المبتسرة التي تصدر عن رؤية لا يتعدى مداها شبرا أو بعض شبر.

ومن معاني القرن في نصوصنا الدينية “القوم” الذين يأتون بـ “جديد” ولكن لا في اتجاه الإصلاح بل بمعنى البدعة والانحراف. من ذلك هذا الحديث الذي يروى عن النبي (ص) والذي قال فيه : “هذا قرن قد طلع”، ويقول أهل الحديث إنه : “أراد قوما حَدَثاً (شُبّانا=طلابا) نبغوا بعد أن لم يكونوا” قيل : “يعني القصاص” (الذين يقصون أخبار الآخرة وما يتصل بها). وقيل : “أراد بدعة حدثت لم تكن في عهد النبي”.

والظاهر أن المعنى ينصرف هنا إلى القصاص والقراء خصوصا المتطرفين منهم الذين كانوا من أوائل فرقة “الخوارج”. وهي فرقة يُرْجِع كثير من المحدثين والمفسرين والمؤرخين للفِرَق في الإسلام أصلَها إلى رجل من بني تميم يقال له ذو الخُوَيْصِرة، تجرأ على النبي (ص) وأخذ عليه كونه “لم يعدل” في قسمة غنائم غزوة حنين، “فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا أقتله”؟ فقال النبي : “لا، دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية”، أي من الآلة التي يرمى بها، لا يحمل شيئا منها. والمعنى أنهم يتشددون في الدين إلى درجة تخرج بهم عن نطاق الدين وعن جماعة المسلمين.

هل نعطي لقرننا الواحد والعشرين مدلولا مشتقا من هذا المعنى؟ معنى”الذين نبغوا بعد أن لم يكونوا”، معنى “بدعة حدثت لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم”؟ معنى الذين “يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه …” معنى “الخوارج”؟

قد يعترض معترض ويقول: ولكن من يمكن أن يشبهوا بهذه الجماعة ظهروا في أواخر القرن الماضي، العشرين، وبالتالي فربما يصح ربطهم بتلك النهاية في انتظار بداية جديدة : بداية الإصلاح والتجديد، أعني ظهور مجدد القرن الذي نسميه الحادي والعشرون!

هذا رأي! ولعل نقطة ضعفه أنه يستند على المرجعية الإسلامية وحدها، في حين أن العالم اليوم متداخل، وفي هذه المسألة بالذات. فلننظر إذن في مرجعة شركائنا في “بداية القرن”، خصوصا وهم يفرضون علينا هذه البداية بتقويم غير تقويمنا الهجري.

والحق أن ما يلفت النظر هو اشتراك المعاجم اللغوية الأوربية مع المعاجم العربية في كثير من التعريفات التي ذكرنا. ففي القاموس الفرنسي “روبير الكبير” -وهو في اللغة الفرنسية كـ “لسان العرب” في اللغة العربية- نقرأ مثلا ما يلي: “القرن: حقبة طويلة من الزمن. حقبة من مائة سنة تحدد بدايتها (أو نهايتها) بالعلاقة مع وقت يختار اعتباطا”. أيضا: القرن “مدة مائة سنة (أو تقريبا) تؤخذ كوحدة تاريخية تتصف ببعض الخصائص المحددة”. وعلى هذا الأساس تحدد بداية القرن الثامن عشر بفرنسا مثلا بسنة 1715 (تاريخ وفاة لويس الرابع عشر). كما وصف هذا القرن بـ “الكبير” أو “العظيم”. ووصف القرن الثامن عشر بـ “قرن الفلاسفة”، و”قرن الأنوار”، كما وصف القرن التاسع عشر بـ “القرن البليد” أو “الغبي”. وكما يقال: “قرن الذهب” يقال أيضا: “قرن همجي”، “قرن العذاب”، “قرن الشك”،”شرور القرن” الخ. وأيضا يستعمل لفظ “قرن” للتعبير عن طول مدة حكم شخصية معينة مثل “قرن بيركليس” في اليونان، “قرن لويس الرابع عشر” في فرنسا.

هل لنا أن نسمي هذا القرن، الحادي والعشرين، بأبرز شخصية اشتهرت فيه لحد الآن فنقول : “قرن بوش” على غرار عبارة “قرن الإسكندر الكبير” الاسكندر المقدوني؟

قد يعترض معترض فيقول: ولكن الإسكندر المقدوني يقال له “ذو القرنين”، وهذا ماله غير بداية قرن واحد؟ ومع أن معنى “القرنين” في عبارة “ذي القرنين” ينصرف في الغالب إلى قرني الشمس، مشرقها ومغربها، كناية على اتساع فتوحاته -الشيء الذي يصدق على صاحبنا أيضا بعد “فتحه” لأفغانستان واتجاهه نحو الفليبين- فإن من الممكن لمجيب أن يجيب من زاوية أخرى فيقول : لنجمع “بوش الابن” مع “بوش الأب”، فيكون الاسم قد جمع بين قرنين! بين نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن!

 

وبعد، فماذا يمكن أن نستخلص من هذا المقارنات، ومما تعطيه المعاجم اللغوية في معنى “القرن”؟

لعل الشيء الأساسي هو أن القرن، وإن كان يدل في الغالب على مائة سنة، فهو لا يتحدد بكم الزمان الذي تَـعُـدُّه السنون بل بكيف الزمان الذي يحياه العقل والوجدان. وإذا نحن نظرنا إلى القرن الحادي والعشرين من زاوية ما يهم “العقول”، أعني ما له علاقة بالعقل وتحديداته ومقولاته، أمكن القول إن هذا القرن تنطلق بدايته، مع إعلان بوش الأب عن “نهاية الحرب الباردة” وقيام ما أسماه بـ “النظام العالمي الجديد” وكان ذلك عام 1990، كما نذكر جميعا، وإنه يتحدد الآن بمقولة “الحرب ضد الإرهاب” التي ابتكرها بوش الابن!

نهاية حرب وبداية حرب! ياله من قرن!

ومع ذلك فمن الجائز تماما ربط تلك النهاية والبداية بالقرن العشرين واعتبارهما معا من علامات انقضاء زمنه وانتهاء أوزاره! وبذلك يصبح من حقنا انتظار بداية جديدة للقرن الجديد، الحادي والعشرين! وإذا نحن أخذنا برأي صحفي أمريكي في مقالة نشرها مؤخرا قال فيها : “لا تُعَوِّلُوا على النظام العالمي الجديد بعد حرب أفغانستان” جاز لنا أن نتوقع بداية جديدة لهذا القرن في الشهور القادمة، أو بعد سنة أو سنتين، لا فرق!

يذكرني هذا بحكاية تروى عندنا في المغرب –ولعلها تروى كذلك في أقطار عربية أخرى- ملخصها أن رجلا استيقظ من نومه صباحا، فلما خرج من بيته ذاهبا إلى محل عمله كان أول ما صادف في طريقه شخصا شريرا قبيح المنظر، يبدو منه أنه قضى ليلته يتسكع… فما كان من صاحبنا إلا أن عاد إلى منزله واستأنف النوم. فلما ذهب متأخرا إلى عمله سأله رب المعمل عن السبب فقال: “لقد جددت صباحي”! وحكى له القصة. فما كان من رب المعمل إلا أن استغرق في الضحك…

اللهم ارزقنا ما به نجدد صباح قرننا!

 

الجمعة:  02 يونيو 2017.