لقد خضعت الأحزاب لامتحانات عسيرة في السنوات الأخيرة، ليس أقلها امتحان قدرتها على المبادرة في الفعل الإصلاحي..

قبل 2011، انعدمت الأحزاب التي كانت لها القدرة على وضع أجندة إصلاحية أمام الرأي العام، وعلى طاولة التفاوض مع صاحب القرار، باستثناء الاتحاد الاشتراكي الذي قدم مذكرة إصلاحية في 2009، كانت هي الوحيدة التي وجدها لربيع مغربي على جدول أعمال التاريخ – لله وللتاريخ وليس للدعاية الضيقة-.

وإبان 2011، حيث تبنت أحزاب كثيرة مواقف ممانعة ضد الحراك، وضد المشروع الإصلاحي الذي نادت به قوى المجتمع في الشارع العام، وهنا أيضا لا يمكن أن ننكر التميز الاتحادي، حيث كان الاتحاد من الأحزاب القليلة والنادرة حتى، التي لم تصدر بيانا يتهم الحراك قبل وقوعه، بل أصدر بيانات عن مجلسه الوطني تعلن مساندة واضحة لهذا الحراك ومطالبه الإصلاحية العالية السقف..

وقد لاحظنا أن الأحزاب التي سارعت إلى معاداة الحراك، هي التي خرجت رابحة من الانتخابات التي عبرت عنه!!!أو رافقته، وهو ما خلق غير قليل من اللبس في التحليل ..
واليوم تتعرض لامتحان آخر، في سياق قد يراه البعض الفصل الثاني من الحراك أو يراه محاولة جادة لإعطائه مادته الاجتماعية، عوض الاقتصار على المادة السياسية وحدها، كما كان الأمر في 2011، والذي نجح فيه المغرب بشكل كبير..

– 2 – من الواضح أن تحولا جوهريا يحدث الآن، يتمثل في كون جزء من الحراك الاجتماعي، أفقيا وعموديا، يتم مع تحولات في الحقل السياسي المؤسساتي، إذ أن كل المواجهات السابقة حدثت وكان لنا حقل سياسي مكتمل، يتفاعل أو يتبنى، في 1981 و1984 و1991 وقبلها كان الذي يؤدي الثمن هو الحقل السياسي المؤسساتي..(الاتحاد، اليسار عموما، الكونفدرالية نقابيا والاتحاد الوطني طلابيا .. الخ ).
اليوم، هناك تحول مركزي، يتمثل في وجود متن على هامش أو خارج الحقل السياسي بشكل أقوى وأكثر حرية، والذي يوجد خارج نسق التسويات كما نعرف يكون أكثر حرية..

-3- طوال تاريخ الناس هذا، كانت الحركات السياسية
والثورية والإصلاحية، تعلن صراحة بأنها حركات تسعى إلى أن تكون أحزابا، والذين تابعوا القنوات اليسارية (الاتحاد الوطني،الاتحاد الاشتراكي خصوصا) يذكرون كيف أنها كانت تعلن بغير قليل من الصراحة، نحن حركة تسعى إلى أن تكون أحزابا.. وعندما تسنى لها ذلك، صرنا في وضع تريد الأحزاب فيه أن تكون… حركات!
على غرار التحولات الكبرى في عالم الفعل السياسي (إسبانيا، اليونان، فرنسا … وهلم جرا) وهنا أذكر بما كتبه أحدهم :*** كان لينين يقول : »الشيوعية هي السوفيات زائد الكهرباء ، واليوم صار الحزب الجديد – كما في حالة ماكرون – يعني »الزعيم زائد الانترنيت«.
ونظرا لأن أغلب الفاعلين غير مرئيين» مؤسساتيا، invisible فإننا – ومعنا جزء من نخبة الدولة – نتحدث عنهم في الغالب كما لو أنهم كائنات شبحية مخيفة ومشبوهة وأصحابها ليسوا قوة سياسية ممكن أن تصبح مرئية دستوريا ومؤسساتيا تشكل شكلا من أشكال اقتسام السلطة..

إن حديث الموت في الحزبية يفترض دوما الرجوع إلى مكامن هذه النهاية:

-أ- موت تأسيسي أي العجز عن إعطاء الشرعية لنظام سياسي معين
– ب – موت برنامجتي كالعجز عن تقديم عرض سياسي
-د- موت تربوي : العجز المطلق عن اقتراح خَلَف سياسي..
ج – موت منبري : عجز واضح في تبني خطاب احتجاجي
ه- أو موت انتخابي مثلا السوق السياسي..

والواضح أن أولى المهام، والتي تتعلق بشرعنة نظام سياسي ما، تجد صعوبة، في كل تحول، وفي كل انتقال، وأصبح من غير السلس والبديهي أن تكون لها القدرة على ذلك، …وهو ما يجعل أجندة العجز تنسحب على المنظومة ككل، لا على بعض مكوناتها، وهذا ليس تبريرا لضعف المكون الحزبي في بلادنا..
هنا؛ تشريحات أخرى ذات علاقة بالشرط الذاتي، وهذه ربما مجال نقاشها يكون في سياق الأوضاع العادية، ليس تحت نيران الغليان..!

 

الدار البيضاء : 05 يونيو 2017.