يرى فليب ميريو Ph. Meirieu أنَّ المدرسة تلزمنا بأن نفصح عمن نحن وما نحمله في ذواتنا، في حين يجب أن يعمل البيداغوجي كل ما في وسعه من أجل التلاميذ… ويحترس من المدرسة (Ph. Meirieu, 1993). لذلك، يجب ألا يتخذ الكتاب المدرسي طابعا قدسيا يلزم الجميع باتباعه حرفيا، إذ لا يمكنه أن يتضمن أجوبة عن كل أسئلة التلاميذ والمدرسين، وأن يقدر التكيف معهم في كل الأحوال والظروف. كما أنه لا يستطيع أن يطبق ذاته بذاته، ولا أن ينوب عن المدرسين والمتعلمين في التعليم والتعلم…. ينبغي أن يكون مجرد إطار عام يتضمن توجهات عامة وأمثلة…، ولا يمكنه أن يكون فعالا إلا عبر انفتاحه على كتب أخرى، وعلى خيال التلاميذ والمدرسين والمؤطرين التربويين، بمعنى أنه كتاب قابل للإثراء والتجاوز…

قد يبدو ما نقوله ينطوي على دعوة إلى التمرد، لكن طبيعة بناء المعرفة هي التي تستوجب ذلك. فهي فعلٌ عميق، وليست مجرد إضافة معارف إلى أخرى، مما يعني أنها تتطلب خيالا وانفتاحا وإرادة ومثابرة…

وإذا كان الواقع بطبيعته معقدا، فالتعلم يتطلب وضع التلميذ في وضعيات تدريسية معقدة، لكن ليس على درجة من الصعوبة تتجاوز القدرات العقلية للتلاميذ، إذ سيجعل ذلك المدرسين يعتقدون أن هذا النوع من الوضعيات هو اختيار بيداغوجي غير ملائم. فالوضعية المعقدة تطرح صعوبات قابلة لأن يتجاوزها المتعلم، لأنها مثيرة لفضوله وجذابة له، حيث تساعده على تكوين نظرة شمولية للواقع وتحفزه على الانخراط في التعلم من تلقاء نفسه. لكن هذا يستلزم امتلاك المدرس لعُدّة تدريسية ملائمة وفعالة…
وتجنبا للسقوط في العقم التربوي، تقتضي التدريسية حاليا معرفة المدرس كيفية تدبير التوتر الديداكتيكي، وتجنبه شحن التلميذ معرفيا بشكل زائد عن الحد.
ويعني التقدم، عند التلميذ، الذهاب نحو ما لم يعرفه بعدُ. ولذلك، يتعين منحه مكانا للتفكير والفعل والإنتاج، مما يفرض على المدرس أن يكون بعيدا عن المتعلم، بهذا القدر أو ذاك، حسب تقديره لدرجة الصعوبة التي يواجهها هذا الأخير. فعندما يواجه التلميذ صعوبة كبيرة ينبغي أن يكون المدرس قريبا منه لطمأنته وإثارته وتشجيعه على التفكير واستعمال طاقاته ومكتسباته المعرفية في اتجاه بناء معرفة جديدة، دون أن ينوب عنه في ذلك. وبذلك، يجب على المدرس أن يوازن بين التوتر الديداكتيكي tension didactique القائم بين المعارف التي اكتسبها التلميذ بالفعل والمعرفة الجديدة التي يريد له أن يكتسبها. وهذا، يلزمه أن يخلق توترا بينهما يمكن أن يساعد التلميذ على بذل مجهود أكبر، مما يفرض على المدرس اتخاذ الاحتياطات البيداغوجية الضرورية لتجنب خلق هوة تُعَرِّضُ العلاقة بين هاتين المعرفتين للخطر، فتعوق تعلم المتعلم (Michel Serres).

نحن نطلب من التلاميذ، أحيانا، أن ينجزوا ما يعرفون فعله، كما قد نطلب منهم أن يخطوا خطوات تفوق طاقاتهم. وهذه مسألة يجب أن نعيها، إذ هناك مسافة بين طبيعة معارف التلميذ و«مشروع»المدرس، إن جاز القول. وهذا ما يخلق ما يسمى بالتوتر الديداكتيكي. إن هذه المسافة طبيعية، لكن يجب ألا تكون كبيرة جدا. ولا تكمن المشكلة في الصعوبة في حد ذاتها، وإنما في الاشتغال على موضوع في غاية التعقيد بحيث لا يرى التلميذ فيه أي معنى أو يصعب عليه استيعابه، مما قد يشل تفكيره… لهذا، ينبغي أن يحس المتعلم بأنه معني، ويعرف أن في إمكانه التوصل إلى مداخل عديدة لاستيعاب موضوع دراسته اعتمادا على التقاط معالم ومؤشرات تساعده على منحه معنى… كما يجب أن تتوفر له الشروط التربوية التي تمكنه، ولو جزئيا، من القدرة على تمثل الهدف الذي ينبغي تحقيقه.

أحيانا، نلاحظ أن المتعلم يفقد جزءا من قدراته ومؤهلاته… عندما يوضع أمام مهمة صعبة. ففي الدرس اللغوي، على سبيل المثال، قد يعجز التلميذ في لحظة معينة عن استعمال الكفايات التي اكتسبها من قبل وسبق له أن استعملها في وضعيات سالفة. من ذلك أنه قد يفقد القدرة مؤقتا على استعمال النقط والفواصل وباقي علامات الترقيم التي سبق له أن اكتسبها عندما يدخل في كتابة بنية نص جديدة، كأن ينتقل من كتابة نص سردي إلى آخر تفسيري.

وقد يحدث الشيء نفسه عند إنتاج التلاميذ لنص معين، حيث يلاقون صعوبات في التحكم في المضمون الذي يريدون التعبير عنه، وفي كيفية كتابته. وهذا ما لا ينتبه إليه المدرسون ولا يحللونه…

على العكس من ذلك، عندما يكتب بعض الراشدين نصا معينا، فهم لا يهتمون بمشاكل الإملاء والنحو…، إذ يكتبون بكل تلقائية لأنهم متحكمون فيها. لكن الأمر قد يصير بخلاف ذلك عندما ينتقلون إلى الكتابة بالحاسوب دون تدريب سابق على كيفية استعماله. فقد يبتلعهم الجانب التقني إلى حد مصادفتهم صعوبات في تطوير أفكارهم ومعالجة أسلوبهم والصياغة الدقيقة لما يريدون التعبير عنه… وهكذا، قد نجدهم عاجزين جزئيا عن توظيف مجموع الكفايات التي اكتسبوها سابقا، بسبب وجود عوائق مرتبطة بخبرات أخرى ينبغي تدبيرها في الآن نفسه.

إن التلاميذ في حاجة إلى اكتساب تلك التلقائية، ويتعين أن يكون ذلك هدف المدرس. ولا ينبغي الاعتقاد أن الارتكاز الكبير على هذه التصرفات التلقائية يعني الاشتغال مثل الآلة. في الواقع، يتعلق الأمر بالاقتصاد في الطاقة والجهد، وتحديد المسائل التي ينبغي حلها في حقل كفايات معين، مما يمكن من تكريس الذات كليا لحل مسائل أخرى، والتركيز على الأنشطة التي تتطلب ابتكارا وإبداعا. فالإنسان يمتلك طاقات كبيرة يجب استعمالها (G. De Vecchi et N. wCarmona Magnaldi,).

لا يمكن التخلي عن تطوير الوضعيات المعقدة، لكن ينبغي تسليط الضوء عليها ومعرفة حدودها. فليس أمامنا اختيار آخر، إذ لا يمكن بناء المعارف بفعالية إلا عبر الوضعيات المعقدة. لكن يجب ألا تنصب مطالب المدرس على كل شيء دفعة واحدة. ولا يعني تجنب تحميل التلاميذ ما يفوق طاقتهم المعرفية، كأن نطالبهم باستعمال مجموعة كبيرة من المهارات دفعة واحدة، بل ينبغي تشغيل هذه الأخيرة عبر برمجتها زمنيا. وتبعا لذلك، فالأمر يتعلق بالبحث الدائم عن توازن عبر جعل الوضعية التكوينية تدفع، ما أمكن، بالمتعلم في اتجاه التطور نحو الأعلى…

ينبغي أن يرافق المدرس التلميذ أبعد ما يمكن في تعلمه، ويثير حريته وفضوله، ليقرر هو ذاته الانخراط في مغامرة المعرفة. ويقتضي ذلك تطوير إطار ديداكتيكي ملائم لمستوى النمو الذي ينبغي تجاوزه، وتشجيع التلميذ على الخوض في المجهول، إذ هو قادر على تعلم أشياء أكثر فأكثر صعوبة مما يعرفه…
لا يقتضي بناء المعارف فقط قدرة المتعلم على استعمال عُدَّة تقنية فحسب، بل يستوجب أساسا تكوين حالة ذهنية لديه، إذ ينبغي أن يكون راشد المستقبل قادرا على تقدير الرهانات وتحدِّي الذات والآخر في آن.

بخلاف ما سبق، يلاحظ المتأمل في نظامنا التعليمي أن التدريس عندنا يقوم على طرائق وقواعد… لا تمكن من أكثر من المواجهة الآلية لوضعيات معروفة ومتكررة، دون إعداد الفرد للوعي بالرهانات المحلية والكونية،كما لا تُعلم سوى طاعة القواعد المعمول بها في المدرسة… وللتدليل على ما نقول، يكفي أن ننظر إلى ما تقتضيه الامتحانات المدرسية عندنا، وإلى كيفية تحضيرها. نحن نسير في الاتجاه المعاكس للتوجهات التربوية الحديثة التي تركز على ضرورة اكتساب المتعلم للقدرة على خلق قيم جديدة أكثر من الحفاظ على القديمة (L. Cros, 1981) وفي إطار هذه الدينامية، يشكل تجاوزُ الذات لذاتها ومواجهة التحديات قواما حقيقيا لبناء المعرفة والإنسان في آن…

لقد كانت الطريقة الحوارية السقراطية تعري التناقضات القابعة في الفرد، فتفرض عليه مواجهة ذاته. وإذا كان التعلم ليس إضافة معارف جديدة إلى أخرى قديمة، فإن مواجهة الفرد لتمثلاته الخاصة تصبح مقاربة أساسية يجب استغلالها في التدريس. ألم يقل ج. بياجيه J. Piaget ذاته إن التعلم هو تجاوز سلسلة من الصراعات؟

 

الرباط : الثلاثاء  06 يونيو 2017.