وان تعجب فعجب امر الثقافة في هذا البلد . صفراء ، باهت لونها ، لا تسر الناظرين . يخيل الي في مهانتها انها كمصحف في بيت زنديق ، وفي اغترابها انها كبيت حسان في ديوان سحنون . هي الثقافة في مجتمع التفاهة ، تسوى بالقش والخش والغش والتبن المهجور . ينشر المثقفون دواوين من السحر الحلال تحاكي في البلاغة والجمالية دواوين شعراء بني امية وبني العباس . وينشرون كتبا ومؤلفات وابحاثا في الفكر والسياسة والعلم والفلسفة والاجتماع ، ولا يؤبه بهم ولا بانتاجاتهم الا قليل من اهل الذوق والعلم والثقافة والتبصر .

وينعق ناعق او ناعقة بكلمات مقطوعة ، بلا مضمون ولا جمالية ولا صور بلاغية ولا ايقاع ولا صوت ، فتقوم له الدنيا قياما . تطير بذكره الالسن ، وتزين المجالس والحفلات بصوره ، وتنهال عليه الاموال كالطوفان . يعيش الناعقون والناعقات في جنات وعيون ، وزروع ومقام كريم ، ونعم هم فيها فاكهون ، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون …
ويعيش المثقفون والمثقفات برزق محدود ، ودخل معدود ، وسعد مرصود ، وعمل مجحود ، وامل مفقود ، وحال مشدود…

عاش شكري ومات في ضيق الحال ، وعاش خير الدين ومات في بؤس وشقاء ، وعاش زفزاف ومات في غربة واغتراب ، وعاش ومات مثقفون اخرون في مجتمع التفاهات في فقر وحرمان .

كان المغاربة في تاريخهم الطويل يجلون العلماء والمثقفين ، ويعتبرونهم انوارا في الظلمات ، ويظهرون لهم الودوالتقدير والاحترام . وكان المخزن بكل مكوناته يصلهم ، ويعزهم ، ويغذق عليهم ظهاءر التوقير والاحترام . وكان الاستعمار نفسه يجلهم ويعفيهم من كل ما يلزم به غيرهم . صوتهم في المجتمع مسموع ، وحظورهم في المجالس تشريف للزمان والمكان .

كان هذا حال الثقافة والمثقفين في زمن الاولين بهذا البلد الجميل ، ثم وقع على الثقافة والمثقفين نحس من نحوس الزمان . فلم يعد لها كلام ولا صوت ولا لون ولا وجود اعتباري . هل تغير المجتمع ونزل بذوقه الى الحضيض ام تغير المثقفون ونزلوا بالثقافة الى اسفل سافلين ؟
ماذا جرى للثقافة والمثقفين ؟
يسوق شانها في هذا المجتمع من ليسوا من اهلها ولا من اصحابها ولا من محبيها كالذءاب اذا اسندت لها مهمة رعي الغنم .
ويكثر الحديث عن سلم التطور الثقافي عندنا . وهل يمكن للثقافة ان تتطور في غياب شروط حركيتها وتقدمها ؟

ان الشروط الموضوعية تسبق في التحقق والوجود ما يعتمد عليها . فلا مشروط الا بشرط مسبوق . وفي انتظار توفير العناصر الاولية لتقدم الثقافة يجب اولا العمل على محاربة التفاهة والسفاهة وتوعية المجتمع بدور الثقافة في تنمية الانسان في كل ابعاده . اعداء الثقافة عندنا كثيرون ، يخشون تقدمها ، ونهضتها ، لانها تهدد وجودهم وكيانهم المؤسسين على الجهل العام . فاذا حظرت الثقافة ارتفع تيممهم .