2- توازن الدم، بين الشارع والأمن؟
* الحقيقة التي نخفيها تصبح سامة.

 

ربما لم يحن الوقت بعدُ في أن يحصي كلٌّ خسائره.. في الريف ، وفي المحيط الوطني الذي يسايره:الحراكيون، المساندون، الأمنيون ..
لكن الوطن – باعتباره الكل وجمع الجمع – هو الذي سيكون عليه أن يضع التركيبة بين من ضربوا ومن هربوا….
وأمام من يقدم القضية وكأنها ميزان لضبط الخسارة والربح، في محاولة الجواب الكمي عن السؤال المركب: كم خسر الأمن وكم خسر الحراك؟ وكم اعتقل من مواطن مغربي في الحسيمة، وكم أم بكت أو رجعت بها الذكرى إلى جرح قديم..
وكم تألم من رجل أمن أو تكسر..
لا يمكن أن نغفل الحقيقة الواضحة، بعيدا عن مانوية تضع ثنائية لا تخلو من الفزع:
هناك الدولة
وهناك المجتمع ..
في تقابل صراع!
علينا أن نقول ببساطة الوطنيين السذج:
هناك الوطن الذي يعتبر الكل محصلته من الألم،
ينحني على قلب أم
كما ينحني على فؤاد رجل أمن..

لنضع الديكور ولنبدأ من حيث قد تبدو البداية غير متوقعة، أي الأمن:
فقد عرفت المرحلة التي وصلنا إلى ذروتها، تقديم ما اعتبرته الداخلية انفلاتات غير مطمئنة، وجاء وزير الداخلية إلى البرلمان لكي يقدمها، معززة بأرقام ما تعرضت له سيارات الأمن ورجالاته ومنشآته من ضربات..
كما أن الرسائل الحاملة لصور الإصابات والكسور والكدمات، تتساقط على رجال الإعلام ورواد شبكات التواصل بوتيرة تعني ما تعنيه من وجود قلق بالكاد يخفي نفسه..
الأرقام التي قدمتها وزارة العدل والحريات أيضا لا يمكن أن تظل حبيسة اللامبالاة السعيدة، التي نبديها باستمرار وحبيسة منطق التردد..
ذلك أن جزءا من الحقيقة ولا شك، يكمن في الأرقام..
وقد قالت وزارة الداخلية إن الساحة العامة في الحسيمة عرفت 843 حركة احتجاجية في ظرف 7 أشهر..
رقم آخر لا يمكن أن نتجنبه ونحن في طوق الحديث عن المجريات الأمنية وهو أن أزيد من 200 رجل أمن أصيب في أحداث عنف، و42 سيارة..تعرضت للتلف، أضف إلى ذلك، إحراق بناية يقطنها رجال أمن وأفراد القوات العمومية.
وعليه، لا يمكن أن يمر كل هذا بدون تأمل..
وبدون موقف ..
كما يستعرض الحقوقيون والمواطنون ما تعرضت له العائلات وسجل الاعتقالات التي فتحتها القوات المسؤولة – ومنها القضاء – في زنازين البلاد..
لاسيما اللجوء إلى القضاء، كما لو أن القضاء هو الكفيل بتضميد جراح الدولة في لحظة تنافر كبيرة..
وتطور خطاب غاضب – باسم الهيبة المفترضة للدولة – ضد الاعتداء على رموزها البشرية، كما دونتها صكوك الاتهام الموجهة إلى المعتقلين.. وهو خطاب، كما قد نخمن، لا يقف عند حدود اللغة والتعبير، بل يكون له امتداد في الممارسة وطبيعتها ومعالجتها للوضع الناجم عن المواجهات..
وصار لازما أن نفتح الصفحة على مصراعيها ونطرح السؤال، كيف نعالج هذه المواجهة التي تتم، إما باسم الحق من لدن المتظاهرين، وإما باسم القانون من لدن أجهزة الدولة على خلفية ظروف اجتماعية واقتصادية حارقة؟..
أو، هل نحن مطالبون بأن نختار الألم الذي يليق بنا، كأحد طرفي المعادلة اليوم، دون أن نستحضر كل المصالحات التي تمت، وجعل ما يقع يعنينا في كل تفاصيله، أينما كانت الجراح؟..
ولأن الحقيقة – مرة أخرى – التي نخفيها تصبح سامة، لا يمكن أن نسقط من ذهننا مثلا، رد فعل المؤسسة الأمنية، وهي ترى أفرادها يتعرضون للضربات، دون أن تنتبه القوى الحقوقية والقوى المجتمعية والمدنية إلى ذلك، فيما قد تعتبره »تحقيرا« لمهامها!
وربما تتساءل، كيف نطوي الصفحة؟
والحال أننا مازلنا محتاجين إلى طي الصفحة.. من الطرفين، والتوجه نحو المستقبل.. مما يتطلب ،ولا شك، المعرفة العميقة بطرحها من زاوية مغايرة لما ألفناه منذ عقود خلت، تركت فينا ندوبها التي لا تنمحي!
ووصول الحراك في الحسيمة إلى الفضاء البرلماني مسألة جد مهمة: فهذا فضاء مؤسساتي، لتفعيل الوساطة التشريعية..وإعطاء قوة مؤسساتية للبرلمان هو في أمس الحاجة إليها، كما أن الديمقراطية..بدورها لا يمكن أن تقوم بدون ذلك..

(*)  كانت الدولة دائما تدخل التاريخ الشقي بالجرحى، لكنهم كانوا جرحى الآخرين، جرحى المجتمع وضحاياها، في كل الزمن المغربي الطويل، غير أنها الآن ترى أنها تدخل زقاقا ضيقا وهي تحمل جرحاها، لهذا قد يبدو لها أن من الصعب أن تنسى أو ألا تكرس وتمارس ما يعطيه لها الحق والمشروعية من عنف مشروع وشرعي..
سيكون للدولة، ولا شك، الحق في أن تنضج شروط الحل بعيدا عن الشرط الجنائي، وبالشرط السياسي الذي يفرض طي الألم في صفحات الحل…، وعليها أن تنظر إلى أن 7 أشهر من الحراك كانت لحظات التوتر المخيف فيها قليلة للغاية (مرتان أو ثلاث )، وأن اعتقال عشرات الناشطين والمتظاهرين، لم يوقف المسيرات كما لم يوقف حصول بعض المواجهات(امزورن ليلة الجمعة مثلا )، وهو ما يعني، في الوجه الآخر للعملة أن الذين يوجدون وراء الأسوار بريئون من العنف الذي مورس ضد رجال الأمن، مثلا، وأن الذي يحدث لا يفكر فيه قادة الحراك ، بل يحدث لدينامية تخص أي حراك شعبي. …

(*) لا توازن في القضية، لأن الدولة دولة، والمواطن مواطن..
وخطأ المواطن يعالج بالقضاء الجنائي حتى، ولكن خطأ الدولة يكون مقابله من التاريخ والسياسة والسمعة والمصالح الوطنية..
وهذا التوازن الخفي بين دم ودم، طرحته الحكامة الأمنية الجديدة على قاعدة المصالحة
نعم المصالحة لا الصراع ..
والمطلوب إعادة تركيب الصورة، لا بناء على سلوك الحاضر، بل على قاعدة الوعي أن الماضي يدركنا في كل لحظة توتر اجتماعية، وما أكثرها في مجتمع مفتوح على التفاعلات الدينامية وسطه..

(*)  يقول أهل المنطق إن السياق يخلق المعنى، وعليه سنكون صرحاء حقا ونحن نقول إنه سيكون من الصعب ألا نتخيل العقل الأمني، وهو يعايش كل هذه الضربات، والانفلاتات، في الوقت الذي كان العشرات من المدنيين يتابعون قصص الضربات في اكديم ازيك..في منصات الشهود في المحاكمات الجارية!

لقد ظل المتظاهرون يلحون على السلمية، كما لو أنهم يشعرون بأن هناك من يريد تقويض هذه السلمية للزج بالحراك في أتون مغايرة..وظلوا يسعون إلى ذلك، بحلاجية مثيرة، في حين أنهم لا يستبعدون بأن هناك من يجر الأمور إلى استعصاء الحل الصعب.. ومن هنا، فإنهم هم أيضا، وهم يرفضون هذا، يعرفون أن عليهم أن يدافعوا عن حقهم بالحق السلمي. …

 

الاثنين 12 يونيو 2017.