تواجه قوى اليسار المغربي تحديات على مستوى النظرية والخطاب السياسي(١) كما على مستوى التواصل(٢) ومستوى البرنامج (٣)، يتوقف على إدراكها ورفعها تقدمه واستمراره عنصرا هاما من عناصر الحياة السياسية المغربية.

اولا، تحديات النظرية والخطاب

يمكن التمييز المنهجي هنا، بين التحديات النظرية وتحديات الخطاب تبسيطا للمقاربة وليس رفضا للترابط بينهما.

.1. تحديات النظرية:
لا مناص هنا من استحضار بعض التحولات التي عرفتها مختلف المجتمعات حول مسمى العولمة الشاملة، وبعض ما ترتب عليها من مضاعفات:

أ. تحدي العولمة

ونقصد هنا منحاها الى تكريس الترابط الوثيق بين مختلف مكونات العالم على أسس اقتصادية وثقافية من جهة، وتنامي بروز الهويات والانتماءات الصغرى التي تكاد تكون مجهرية أحيانا من جهة اخرى.

ان معالجة هذا الواقع، من خلال مقولات التحليل التقليدية لم تعد اجرائية. ولعل هذا ما يفسر اخفاق كل اشكال مقاومة التوجهين معا. ذلك ان العولمة والكونية لم تتراجع لمجرد اعلان رفضها ومقاومة بعض نتائجها. كما ان التوجهات التجزيئية للمجتمعات والشعوب لم تعرف خلال العقدين الأخيرين غير مزيد من التفاقم والتعقيد.
فما هي النظرية القادرة على استيعاب هذه التحولات الكبرى؟ وكيف يمكن شق طريق التغيير والديمقراطية والمفاهيم الكبرى نحو مستقبل يحول العولمة الى فرص جديدة للانفتاح على الغير خارج اطر التبعية بمختلف اشكالها من جهة أولى ويجعل من منحى استعادة الانتماءات الصغرى والهويات المهمشة او المنسية حيويتها مدخلا لتمكين الانفتاح على الآخر من الجذور التي دونها يصبح شكلا من اشكال الذوبان الذي يعلق مختلف الانتماءات في فضاء لا أعمدة تسنده على ارض الواقع الامر الذي يدفع باتجاه التقوقع على الذوات الصغرى هروبا من ذوبان لا يوفر الدفء والإحساس بالاطمئنان وإنما يشعر الهويات الصغرى بانها ليست غير ميدان لصراعات المصالح الكبرى التي لن تتورع عن محقها خدمة لأصحاب تلك المصالح.

ان التأمل في مجمل تحركات التيارات السياسية ذات الطابع القومي او المذهبي او الطائفي الضيق، خلال السنوات الأخيرة، والتوقف عند الدعم الذي تلقاه من قبل عدد من القوى الاقليمية والدولية الوازنة يدفع الى طرح علامات استفهام عريضة حول أهداف ومرامي هذه التيارات والقوى التي تساندها. وهي تساؤلات ذات ابعاد سلبية، مما يدعو الى طرح معادلة ليس بالإمكان تجاهلها حول طبيعة العلاقة بين الطرفين: هل يمكن الحديث عن خطط مسبقة لدى تلك القوى الاقليمية والدولية لتفتيت وحدة بعض الكيانات السياسية الراهنة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وعملت بالتالي على إنشاء ودعم القوى التفتيتية بمختلف أنواعها لحمل تلك الخطط وتمريسها على أرض الواقع، كما يميل إلى ذلك من يعطون الأولوية لنظرية المؤامرة في تفسير هذا النوع من الحراك النكوصي نحو الانتماءات الصغرى القومية والمذهبية والطائفية؟ ام ان الأمر يتعلق بفشل الدولة الوطنية في الحفاظ على وحدتها استنادا إلى شعاراتها الجامعة التي تفجرت بتضافر عدد من العوامل الاجتماعية والسياسية أبرزها هيمنة التيارات والقوى الاستبدادية والفاسدة على مفاصل الحكم في تلك المجتمعات، مما دفع العديد من مكوناتها الى الشعور بالغربة داخل وطن لم تعد تشعر انها تنتمي اليه، لاحتكار السلطة والثروة من قبل مجموعات محدودة تزعم انها تمثل مصالح الشعب بمختلف مكوناته، غير انها تمعن في تهميش كل القوى التي لا تتماهى معها في التصورات والتوجهات. وعند هذه النقطة من التنابذ بين الحكم وبعض مكونات المجتمع تم تدخل القوى الاقليمية والدولية للاستفادة من هذه الثغرة فعملت على مساندة ودعم القوى التفكيكية تحت مسميات الديمقراطية وحماية حقوق الأقليات وغيرها من العناوين؟

يبدو ان على اليسار اليوم ان يتخذ لنفسه موقفا مبدعا وديناميكيا من هذه المعادلة المعقدة. ذلك ان عدم السقوط في منطق المؤامرة المطلق لا يوازيه الا ضرورة عدم إنكاره بصورة مطلقة، وفي المقابل، فإن التفسير الاجتماعي والسياسي والقومي الضيق لهذه المعادلة، وإن لم يكن العامل المفسر الوحيد لما جرى ويجري بين ظهرانينا فإن إنكاره بصورة مطلقة يوقع أصحابه في تناقض مريع مع اهم محددات ومقومات تفسيرهم للنزاعات بين مختلف القوى التي تخترق المجتمعات كما يمكن معاينتها أيضاً على مستوى العلاقات بين الدول.

ولعل البت في العلاقة مع هذه المعادلة هو الذي يسمح، على مستوى آخر، بتحديد الجرعة التي يمكن لمجتمعاتنا هضمها عندما يتعلق الأمر بالانحياز الى بعض القيم العالمية في مجالات حقوق الانسان، حيث يكون واضحا ان مسألة السيادة الوطنية تصبح نسبية عند النظر اليها من هذه الزاوية. لكن الأمر مرتبط، هنا أيضاً، بمدى قدرة وعي اليسار المغربي بضرورة الانطلاق من ان كل وافد من الأفكار والقيم ينبغي إخضاعه لما يمكن اعتباره روح الشعب الحية، أما غير ذلك فسيؤدي إلى انفصام حقيقي بين مستوى يعلي شأن السيادة الوطنية ومشمولاتها المختلفة، ومستوى يعطي الأولوية لما هو عالمي خاصة اذا تجسد في معاهدات واتفاقات دولية مثل المنظومة الدولية لحقوق الانسان خاصة ان القوى التي تقدم نفسها حامية لهذه المنظومة كثيراً ما استغلتها للتدخل في الشؤون الداخلية للدول والشعوب والتي تتخذ أشكالا متعددة قد تصل الى التدخل العسكري لإسقاط الأنظمة تحت يافطة الدفاع عن حقوق الشعوب المهضومة.

ب . على مستوى اليسار المغربي

ليس اليسار المغربي وليد اليوم، وإنما هو وليد مرحلة سياسية مديدة عرفت تراكمات فكرية ونظرية على مستوى مقاربة قضايا الوطن والمجتمع وقضايا تدبير الشأن العام. وإذا كان شبه مستحيل رصد كل التراكمات المتضافرة على مختلف هذه المستويات، فإنه ممكن المجازفة بمحورتها حول عدد من القيم شكلت رافعة لمجمل نضال قوى وتيارات اليسار المغربي منذ عشرات السنين بغض النظر عن التمايزات بينها على مستوى خلفيتها النظرية ذاتها في بعض أبعادها ومحدداتها.

ولعل أهم القيم التي لا تخطئها عين المراقب الموضوعي لتطور نضال اليسار هي التالية: قيم التحرر من ربقة الاستعمار وقيود التبعية وإكراهات الاستبداد السياسي أولا، وقيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص ثانيا، وقيم التنمية السياسية العامة التي يكثفها شعار البناء الديمقراطي بمختلف مؤسساته ثالثا، وقيم الحداثة والتقدم والانتصار لفلسفة حقوق الانسان رابعا.

هذا على مستوى أول، وانطلق اليسار عموما واليسار الجديد خصوصا، على مستوى ثان، من تصور نظري تم بناؤه على أسس طبقية حيث أعلن انحيازه الى الطبقة العاملة او الفلاحين الفقراء والكادحين او الشرائح المحرومة من الشعب المغربي. وكان لهذا الموقف انعكاس عميق على تصوره النظري لمسألة التغيير وقضايا البناء الديمقراطي وإقامة العدالة الاجتماعية. ويبدو ان التكييف النظري لهذا التصور قد أدى،عمليا، إلى نوع من الانحياز الفئوي لم يستطع، على مستوى النظر، استيعاب مجمل مكونات المجتمع التي ينبغي أن تكون مصالحها على رأس قائمة الأولويات، وهذا ما تعكسه مفاهيم أثثت مجمل البناء النظري اليساري المغربي أسوة بنوع من النظرية الثورية العالمية الكلاسيكية المعتادة لدى النظرية الماركسية اللينينية مثل ديكتاتورية البروليتاريا أو غيرها من المفاهيم النظرية والسياسية التي تقصي، عمليا، شرائح واسعة من المجتمع حتى من إمكانية المساهمة في تدبير الشأن العام. بل أكثر من ذلك، فإن هذه النظرية قامت على أساس فرضية عامة مفادها ضرورة وحتمية شن حرب لا هوادة فيها على تلك الفئات التي تعتبر طفيلية، تارة ومستغلة او حتى كومبرادورية بالنسبة للبعض، تارة أخرى، بما يؤدي إلى اعتبار القضاء المبرم عليها، شرط التغيير الحقيقي بالنسبة لأصحاب تلك الرؤية.

وقد حرم هذا الموقف النظري اليسار، وربما بقرار لا واع منه، من شرعية الحديث باسم الشعب بأسره، لاختزاله في شرائح اجتماعية بعينها بذرائع متعددة وفي مقدمتها كونها تمثل مصالح المستقبل حيث ينتفي الاستغلال الطبقي وتسود العدالة الاجتماعية المطلقة المعبر عنها بالمجتمع الخالي من الاستغلال ومن الطبقات الاجتماعية والملكية الخاصة لوسائل الانتاج التي تشكل محرك هذا الاستغلال، وهو مجتمع يتضح جليا بعد إمعان النظر في مواصفاته هذه ان أقصى ما يمكن وصفه به انه افتراضي وغير قابل للتجسيد على أرض الواقع.

وعندما يقصي اليسار نفسه بنفسه من دائرة الحديث باسم المجتمع بأسره ومحاولة اقتراح الحلول لمجمل مشاكله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، فإنه يحشر نفسه ضمن دوائر النظرية التي تقوم على الفئوية الضيقة رغم محاولاته، متى كان شبه واع لهذه المسألة، التقليل من وطأة هذه النظرية على خطابه السياسي ومشروعه للممارسة من خلال توسيع دائرة من تشملهم هذه النظرية بواسطة استخدام مفاهيم هلامية وغير محددة المعالم بدقة على شاكلة المحرومين او الكادحين والشغيلة اليدويين والفكريين او غيرها من المفاهيم التي تحاول توسيع دائرة مشمولات النظرية اليسارية وخطابها المجتمعي والسياسي لتجاوز مضاعفات الوعي بهذا المأزق.

ويبدو أن هذا الشعور الحاد بنوع من التفاوت وربما التناقض بين منطلقات الخطاب الجذري وبين معطيات واقع غير قابل للتطويع هو ما دفع جل الأحزاب اليسارية إلى مغادرة نطاق الحديث عن البديل الى اعتماد لغة تداول السلطة للخروج من مأزق الممارسة الحقيقي في ضوء تصورها الجذري.

وهناك فرق شاسع، بطبيعة الحال، بين تداول السلطة بين أحزاب جماهيرية تحظى بثقة غالبية الناخبين وبين بلورة بديل شامل لمختلف بنود المشروع الاجتماعي والسياسي والثقافي السائد والمؤسسات الدالة عليه، أو التي يقوم عليها. ان تداول السلطة بين عدد من الأحزاب السياسية ذات التأثير الجماهيري والتي تحظى بالأغلبية في مختلف أشكال الاقتراع العام وخاصة على المستوى التشريعي هو الشكل الأدنى ربما من أشكال الممارسة الديمقراطية التمثيلية في أي مجتمع من المجتمعات وغالبا ما يكون الاختلاف بين الطواقم المدبرة للشأن العام منحصرا في قضايا الأسلوب ووتائر العمل والإنجاز بحسب الظرفية التي تمر منها البلاد على مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية وهي قد تكون مساعدة على الإنجاز كما قد تكون سببا في عرقلته او إبطاء وتائره الى أدنى المستويات. هذا في حين ان الحديث عن المشروع البديل يتجاوز هذا المستوى من المعادلات التي تفتح آفاقها فكرة التداول السلمي للسلطة الحكومية إلى مستوى يكون فيه تغيير الطاقم الحاكم تعبيرا عن ثورة حقيقية على اعتبار ان المشروع الذي يحمله الطاقم الجديد كفيل بتغيير مختلف هياكل ومؤسسات السلطة وبناء بدائل عنها شكلا ومضمونا وامتلاك القدرة على تحمل تبعات هذا التحول الجذري على مختلف المستويات بما في ذلك مضاعفاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وربما الاستراتيجية أيضاً منظورا إليها من وجهة المصالح العليا للوطن.

وبكلمة أخرى، إذا كانت فكرة البديل الشامل ذات بعد جذري متعذر الانجاز فإن الانحياز قد وقع خلال الممارسة إلى فكرة التداول باعتبارها فكرة متاحة التطبيق إلى حد بعيد ضمن تصور او نظرية تحاول تكثيف مصالح الشعب العليا وجعلها قائدة للمارسة.

إن الشعب هنا مفهوم جامع جاذب وليس مفهوما مجزئا ونابذا كما هو مفهوم الطبقة الذي يظل أدنى بكثير في قدرته الإجرائية على مقاربة المجتمع وقضاياه من مفهوم الشعب. غير أن هذا لا يعني ان الشعب تعويذة يكفي ترديدها من قبل بعض الأحزاب السياسية حتى تصبح فاعلة في تحليل او معالجة الواقع بل ينبغي ان تكون هذه القوى قادرة على تمثل مصالح مختلف مكونات الشعب الاجتماعية حتى يمكن لمقاربتها للواقع ان تجد لها صدى لدى تلك المكونات.

ولقد انتبه جزء هام من اليسار المغربي، ولو بتفاوت بين تياراته، بشكل مبكر لهذه المعضلة فحاول نحت مفاهيم ترمي إلى التحرر من الخطاب الطبقي الضيق من خلال اعتماد مفهوم الشعب قاعدة للتحليل ومصبا للممارسة او من خلال اعتماد مفهوم القوات الشعبية او الجماهير غير ان هذا الوعي لم يترافق دائماً مع ما يمكن ان يكون ترجمة له على مستوى برنامج الممارسة بحيث يأتي معبرا بشكل شمولي عن مصالح الشعب منظورا اليه في شموليته التي لا تقصي أي فئة من هذا الاطار العام.

ج، تحديات الخطاب

يبدو ان على اليسار المغربي الاشتغال بجدية لتحديث خطابه العام حول المجتمع والدولة وما يتعلق بالممارسة السياسية وأهدافها المرحلية وبعيدة المدى، كي يواكب مستجدات الواقع، ولا يتخلف عن التحولات الحالة بالمجتمع والدولة والمقاربات المستجدة في هذا المجال. أي بكلمة، ينبغي عليه مغادرة نطاق اللغة الخشبية، في مختلف المجالات، والعمل على إبداع ونحت مصطلحات نوعية تكون قادرة على الإلمام بمعطيات الواقع والتفاعل معها في سياق تطور الخطاب النظري والسياسي للفاعلين في مختلف المجالات بما في ذلك المجالات التي لا تعرف التجدد والتطور الا ما هو بطيء الوتائر مثل المجال الديني والايديولوجي والقيمي بوجه عام.
لكن ما ينبغي عدم فهمه من كل هذا ان هذه الفكرة تتضمن دعوة مبطنة واعية أو غير واعية الى مغادرة فضاء التصنيفات الكبرى لليسار واليمين ووهم كونها قد تجووزت الى غير رجعة، لصالح طريق ثالث او لفائدة ليبرالية ديمقراطية بدعوى فشل الفكر اليساري في تبوء مركز الصدارة على المستويين النظري والسياسي. ذلك ان الانتصار لنوع من أنماط يسار الوسط كما هو شأن بعض الأحزاب اليسارية الاوروبية بعد انهيار المعسكر السوفياتي لا ينم في الواقع الا عن مسعى لتكريس هيمنة الليبرالية باسم الحرية او الديمقراطية وغيرها من المفاهيم التي تحولت الى مطية تيارات يمينية متطرفة أفقدت عبارات المساواة والإنصاف كل مضامينها التحررية. فما هو مطلوب هو العمل على مواءمة الخطاب مع ضرورات استيعاب مصالح الشعب بمختلف فئاته من منظور يساري لا أقل ولا أكثر.

ثانيا: تحديات التواصل

يعتبر خطاب اليسار المغربي على درجة كبيرة من التعقيد إلى درجة كونه صعب القراءة وتفكيك الرموز التي يتم نسجه بها بالنسبة للمتخصصين في تحليل الخطاب السياسي، فأحرى بالنسبة لمن لا يملك قدرا ولو يسيرا من الثقافة والثقافة السياسية. وهذا هو حال أوسع جماهير الشعب المغربي التي يراد التأثير فيها وجعلها تلتف حول برنامج اليسار السياسي.
ويمكن رصد العديد من العناصر الموضوعية والذاتية التي تبرهن على طبيعة الصعوبات التي يواجهها اليسار على مستوى التواصل. لعل ما هو بدهي منها ما تدل عليه العناوين التالية:

أ- محدودية انتشار الإعلام الحزبي وتراجع إشعاعه بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة.

ب- ضعف الإقبال على النشاطات الجماهيرية الحزبية على عكس ما كان عليه الوضع قبل ثلاثة عقود خاصة بالنسبة للأحزاب اليسارية الوازنة على الساحة السياسية المغربية.

ج- محدودية القاموس اللغوي لأحزاب اليسار مما يترك الانطباع لدى المتلقي أنه يستمع لكلام مكرور سبق له أن سمعه في فترات ماضية وهو ما قد يسبب بتعميق نوع من الشعور بالإحباط لدى الكثيرين يؤدي بهم الى هجر السياسة. ولا يغير من هذا الواقع إمكانية التمييز بين عزوف سياسي واع وإرادي وبين نوع من العزوف التلقائي الذي لا يمكن اعتباره عزوفا سياسيا بقدر ما هو نوع من اللامبالاة وعدم ادراك أهمية المشاركة السياسية. ذلك ان المبرر الذي يتم التلويح به هو على شاكلة اولاد عبد الواحد كلهم واحد.

ثالثا: تحديات البرنامج السياسي

يعتبر البرنامج السياسي عقدة العقد لدى اليسار المغربي على المستويات التالية: أ- طبيعة العلاقة بين البرنامج والتصور النظري لليسار. ب- درجة تمثل البرنامج لطبيعة المرحلة النضالية ومجمل تحدياتها وشعاراتها المركزية. ج- مدى قدرة البرنامج على تكثيف مجمل مصالح وطموحات الشعب بأسره وليس مصالح وطموحات فئات محدودة على اتساعها ما لم يكن هذا البرنامج هو برنامجا للوطن وليس لطبقات دون اخرى.

أ- البرنامج والتصور النظري

ان طبيعة مقاربة المجتمع والنظر الى الوطن هو ما يؤثر في صياغة البرنامج السياسي. وبقدر ما تكون المقاربة شمولية تستوعب كل مكونات الشعب بقدر ما تكون حظوظ البرنامج السياسي عالية في القدرة على التنافس وربح رهانات المعارك التي يتم خوضها استنادا اليه، متى توفرت لهذه المعارك السياسية او الانتخابية شروط الشفافية والنزاهة من قبل الجهة الإدارية او القضائية المنظمة لها من جهة، وتوفر للبرنامج العامل الذاتي القادر على حمله والدفاع عنه وبلورة شعارات معبئة قادرة على بث وإذاعة رسائله بوضوح وقوة في مختلف مكونات المجتمع التي يعتبر الالتفاف حول البرنامج عاملا لا مناص منه في ربح رهانات المعارك التي يتم ولوجها على المستويات المحلية او الجهوية او الوطنية.

ب- تمثل طبيعة المرحلة النضالية

يفترض في البرنامج السياسي ان يكون معبرا عن طبيعة المرحلة التي يمر منها المجتمع بحيث يكون قادرا على الإمساك بمختلف حلقاتها المركزية. وهذا يعني ان برنامج مرحلة النضال الوطني لا تتماهى مع مرحلة النضال في أفق إنجاز مهام البناء الديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية وغيرها من المطالب المشتركة بين مختلف مكونات المجتمع بغض النظر عن التفاوت الحاصل على مستوى درجة أهميتها وملحاحية بالنسبة للمكونات المتعددة للمجتمع. ذلك ان إنجازها هو شرط التقدم ومراكمة المكتسبات دون المساس بثوابت الشعب على مستوى الامن المادي والمعنوي والاستقرار الاجتماعي والوطني.

ج- تمثل مجمل مصالح الشعب

وهذا بعد مرتبط أشد ما يكون الارتباط بجل موجهات الممارسة السياسية على مستويات النظر والخطاب كما أسلفنا في الفقرات السابقة، وهو ما يتم التعبير عنه عادة بضرورة التمفصل بين المطالب والشعارات العامة للبرنامج السياسي مع التصور النظري والمشروع المجتمعي الذي تدافع عنه القوى السياسية اليسارية.
ويمكن التركيز هنا على بعدين أساسيين، أولهما، ان يكون البرنامج السياسي قادرا على تمثل مهام المرحلة النضالية لمجمل الشعب حتى ترى فيه كل مكونات المجتمع ما يلبي بعضا من طموحاتها وتطلعاتها في مختلف المجالات حتى في الوقت الذي يمكن الاعتراف ان كفة مصالح بعض الفئات قد تكون راجحة مقارنة بمصالح الفئات الأخرى غير ان رجحان تلك الكفة لا يدفع بتلك الفئات الى اعتبار البرنامج السياسي موجها ضدها ويعمل على محاربة مصالحها في المطلق كما يمكن ملاحظته في نوع من الخطاب اليساري المغربي والذي حكم عليه بالتهميش وانعدام الوزن في أي معركة سياسية ذات شأن كبير بالنسبة للمجتمع والدولة على حد سواء. اما البعد الثاني وهو وليد البعد الاول وملازم له في آن واحد، هو مدى قدرة البرنامج السياسي على جعل كل القوى والشرائح الفاعلة في المجتمع تلتف حول هذا البرنامج سواء من خلال حمله والدعاية له في مختلف أوساط المجتمع او من خلال تبني أهم محاوره القادرة على إبعاد قضايا الخلاف الى مناطق الظل او عبر التعبير عن عدم معاداته بما يعني عدم عرقلة حاملي هذا البرنامج في مسعاهم من اجل تطبيقه.

واضح من هذه المساهمة كونها لا تبحث عن أجوبة بقدر ما تحاول بلورة ارضية ملائمة لصياغة الأسئلة الهادفة، الى خلخلة عدد مما اعتبرناه مسلمات وبدهيات وممارسات لا يطالها التساؤل. فإذا أفلحت بنسبة ما في مسعاها هذا، فإنها قد حققت الغاية المتواضعة المتوخاة منها أصلا.

وشكرا مرة أخرى للحضور الكريم

 

* نص المداخلة التي ساهمت بها في ندوة مجلة المشروع حول ” ضرورة اليسار” المنعقدة يوم 26 مارس 2016
قدم المداخلة نيابة عني الاستاذ والصديق العزيز عمر بنعياش
ونشر النص كاملا في العدد الأخير من مجلة المشروع.