من التعاريف القديمة التي عرف بها الانسان انه حيوان ضاحك ، بمعنى ان الضحك كظاهرة اجتماعية وسيكلوجية هو الصفة المميزة له عن جميع المخلوقات الحيوانية الاخرى التي تشبهه في التكوين البيولوجي . وقد خص الانسان بهذه الصفة لان له في الحياة هموما ، ومشكلات ، ومحنا ، وضغوطات ، واحزانا ، ومعاناة ، فكان الضحك منحة ربانية له للتخفيف من ثقل نوازل الحياة وتقويته على التحمل ، زيادة على دور الضحك في تحقيق التوازن العاطفي والعقلي عند الانسان . لكن صفة الضحك المميزة لجنس الانسان لم تعد متحققة في الظروف الوجودية لانسان اليوم . فالضحك العفوي هجر البشر هجرا كليا وصار مطلبا نادرا ، وعملة ثمينة ، واكسيرا مفقودا . وبغياب الضحك العفوي بسبب اضطراب المعادلة بين مطالب الانسان وقدراته انتشرت في العالم امراض مستعصية عضوية ونفسية وعقلية .

كان الناس يضحكون من نكتة بسيطة ، او من منظر مثير ، او من كلمة ساخرة ، او من فكاهة مروية ، او من نادرة معبرة ، فاصبح الاضحاك من اصعب ما يمكن تحقيقه . فما كان يضحك لم يعد يضحك ، وما كان يسلي صار مملا .

لقد اصبح لكل واحد خوف يحزنه :

السليم يخشى المرض ، والمريض يخشى الموت ، والغني يخشى الفقر ، والفقير يخشى التشرد ، والناجح يخشى السقوط ، والساقط يخشى البقاء في السقوط ، و…
هو اذن تضخم في القلق والخوف والسوداوية .
نشتاق الى لحظات من المرح النفسي ، والضحك العفوي ، والابتسامة المشرقة ، والهزل الطاهر ، والفكاهة الاصيلة …

نحتاح الى لحظات مسروقة من زمن النكد ، والمحن ، والقلاقل ، والاحزان لنستمتع بشيء من المرح والترويح يبعث فينا الامل ، ويعيد لنا بعضا من انسانيتنا الضاحكة .
فالضحك يطهر النفس من كل ما علق بها من اوساخ الحياة ، ويقوي القلب ، وينعش الروح ، ويساعد على التركيز ، ويسهل التواصل بين الناس ، وينشر المحبة ، ويبني العلاقات . فلو ضحك الناس بشكل عفوي منتظم لاستغنوا عن ثلاثة ارباع ما في الصيدليات من ادوية سامة ، وعن ثلاثة ارباع ما في المستشفيات من علاجات وفحوصات وجراحات ، وعن ثلاثة ارباع ما في المحاكم من نزاعات ومخالفات ، وعن ثلاثة ارباع ما في السجون والمعتقلات…
انسان اليوم مصدوم بكثرة المتغيرات والمتناقضات المسلطة على وعيه فعجز عن الضحك ، وعجز المضحكون عن الاضحاك .

اراد الانسان ان يهرب من حقيقة واقعه ، ومن هموم حياته ، ففر الى المخدرات ، والعوالم المجنونة ، وظلمات الفساد ، فما زاده ذلك الا ضياعا وبؤسا وشقاء …
ليس الضحك قهقهات سخرية وتهكم واحتقار . الضحك سلوك نظيف ، طاهر ، حضاري ، ضروري لكل التوازنات ولا يمكن لاحد ان يستغني عنه دون ان يترتب على ذلك الاستغناء تدمير للذات في كل ابعادها .

 

تارودانت : الخميس 15 يونيو  2017.