أين تتمثل قوة الدولة في العديد من بلدان العالم الثالث، هل في قدرتها على التحكم في الوضع السياسي، أم في تفوقها في نظام الضبط الأمني، أم في استجابتها للحاجات الأولية للمجتمع؟ من المؤكد أن هناك ضرورة للدولة القوية، خاصة في منطقتنا، على ضوء الأخطار والتحديات التي تواجهها.

الدولة القوية، لا يمكن أن تختزل في المستوى الأمني والاستقرار السياسي، رغم ما لهذه المعايير من أهمية بالغة، لكن القوة الحقيقية للدولة تكمن أساساً في توفير المقومات الرئيسة لشرعية هيمنتها، والمتمثلة في تأمين المتطلبات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، لأغلب الساكنة، ومعالجة كل مظاهر الخصاص المتفاقم.

كان واضحاً، في الحركية التي رافقت ماسمي بالربيع العربي، أن هناك دوافع موضوعية دفعت بالاحتجاجات والثورات والتمردات، وشكلت لقمة سائغة لكل المؤامرات، وقد عرفت معالجتها مسارات مختلفة، حسب كل بلد، وفي المغرب عرفت المعالجة مساراً استثنائيا، بفضل تكاثف الإرادة الملكية، مع إرادة الأحزاب الفاعلة وقوى من المجتمع المدني، آمنت بالقدرة على خلق فرصة جديدة للأمل.

غير أن الأمور سارت بشكل مغاير، حيث أسفرت الانتخابات السابقة لأوانها عن تشكيلة حكومية، تصدرها حزب لم تتضمن أجندته سوى أمريْن اثنيْن: الأول، هو تلبية رغبات المؤسسات التمويلية الدولية واللوبيات المسيطرة على الأبناك والتأمينات والثروات الريعية، الثاني هو السعي إلى زرع الشبكة الزبونية لأنصاره في مفاصل الدولة والمجتمع، ونشر إيديولوجيا رجعية وتكريس التخلف الثقافي.

انقضت خمس سنوات من الصراع في هذا النموذج الذي أهدر فرصة التقدم في معالجة الخصاص الهائل، الذي ورثه المغرب من الخمسينية السابقة، والمستجدات السوسيولوجيّة والديمغرافية والعمرانية الجديدة، التي ضاعفت حجم المشاكل والصعوبات.

تؤكد المعطيات الإحصائية أن أغلب مؤشرات النمو قد تراجعت في الخمس سنوات الأخيرة، ولا يمكن لخطاب المظلومية ورفع شعارات مواجهة ما يسمى ب»التحكم» أن يخفف مسؤولية هذه التجربة الحكومية، فيما حصل في المغرب، وفيما يحصل أيضاً في الحسيمة.

ضاع زمن ثمين على الدولة والمجتمع، وأصبح تداركه صعباً، لكن ليس مستحيلاً، إذا حصل الاقتناع بأن الإصلاح الدستوري، يحتاج إلى تفعيل في أرض الواقع، ليس على المستوى السياسي، فحسب، ولكن أيضاعلى المستويات الاقتصادية والاجتماعية، أيضاً، أما مهدئات الشعبوية، فقد كان أثرها مؤقتًا، كما هو الشأن بالنسبة لكل المهدئات.

 

الجمعة 16 يونيو 2017.