يقول ارسطو :

” لما لم تكن تكن المخاطبة الا بالالفاظ ، اقيمت الالفاظ مقام المعاني ” . واللفظ والمعنى عنصران متكاملان ومتلازمان كما يقول المناطقة ، واساسيان في كل تواصل بين افراد الجنس البشري المتميز بخاصية اللغة اللسانية . ومعرفة الدلالة الاصلية والاصطلاحية للفظ شرط منطقي في استعماله بشكل صحيح تجنبا لتعثر العملية التواصلية وفسادها . وكل مصطلح يصلح ان يكون موضوعا لدراسة سيمانطيقية لتحديد دلالته وتنقلاتها في الزمان والمكان ومجال الاستعمال . فمن المعروف ان الدلالة المصطلحية متحركة على الدوام بحسب تغير الظروف والسياقات التاريخية والاجتماعية المحيطة بها .

يرتبط مصطلح ” البلطجية ” الذي شاع استعماله في الخطابات السياسية والاجتماعية العربية المعاصرة بالحقل الدلالي للتنازع المسلح . فالكلمة في اصلها تركية ، مركبة من مقطعين صوتيين هما ” بلطة ” و ” جي ” والمقصود بها حامل البلطة . والبلطة اداة للقطع والذبح .

وذكر الاستاذ الطيب اديب ان ” البلطجي ” وصف للجندي حامل البلطة في الجيش العثماتي كان يتقدم الجيش ووظيفته تمهيد الطريق للمشاة والفرسان . وبهذا المعنى يقترب ” البلطجي ” من مصطلح ” Eclaireur ” في الجيش الفرنسي البري والجيوش المنقولة عنه كالجيش البري المغربي .

لكن هذا المعنى توسع في الاستعمال واصبح يطلق على الجماعات الغوغاءية التي تسعى الى فرض رايها بالعنف ، ومقاومة الراي المخالف بالسلاح عبر عمليات التحطيم والتخريب والاعتداءات الجسدية…

ومن الحكام العرب من يستعملون ” البلطجية ” لافشال كل الحركات الاحتجاجية التي لا توافق هواهم ، ويوظفونها بطريقة عدوانية ، نفعية بحسب المقولة الميكافيلية المعروفة :” الغاية تبرر الوسيلة “.

ان ” نظام ” البلطجية مظهر من مظاهر الفساد السياسي في العالم العربي . فحين يغيب التعقل ، وتغيب الحكمة ، وتغيب الارادة المصلحية لخير الشعوب ، وتغيب القدرة على الحوار الحضاري المتمدن ، يتم الالتجاء لخدمات ” البلطجية ” التي لا تزيد الاوضاع المشتعلة الا اشتعالا .

ان تدبير الازمات الاجتماعية بشكل سياسي حكيم يساعد على تجاوزها باقل ما يمكن من الاضرار ، واللجوء الى ” البلطجيات ” عجز في التدبير ،وفشل سياسي واضح ، وتعريض الشعوب والبلدان الى حروب وتقاتلات داخلية مدمرة .

واخيرا لا بد ان اشير الى ان مصطلح ” البلطحية ” فرض نفسه على مستوى الاستعمال في العالم العربي بعد ما يسمى بالربيع العربي ، ومن المتوقع ان يدخل الى القاموس السياسي الجديد للعالم العربي خصوصا .

 

السبت 17 يونيو 2017.