لا أذكر من كتب ذات يوم، بأن الدولة، أي دولة عليها أن تراقب البلاد في لحظات الأزمات الاجتماعية “كما تراقب سيدة البيت حليبا فوق النار”، لقياس درجة الغليان، الذي يفضي إلى..فيضان الحليب عن القدح!
حليب المجتمعات يطيب في الشوارع..!
وعودة المسألة الاجتماعية، على بساط المرحلة، يفرض أن تكون المعالجة، بغير قليل من الصبر، في وضع لا يبعث عليه!
في الريف، يتعرض النموذج الاقتصادي للالتهاب، بعد أن تقوض بشكل غير مسبوق( اللهم في ثمانينيات القرن الماضي )، بفعل تضافر العامل الخارجي بالعامل الداخلي..
أول ما يجب أن نستحضره، بالإضافة إلى قنوات الري التاريخية التي يعرف الجميع قوتها في منطقة الحراك الحالي، هي مقومات النموذج الاقتصادي ومدى قدرته على تحمل غليان “الشارع”.
حليب المجتمعات يطيب في الشوارع..
نكرر القول!
النموذج الاقتصادي الذي ينهار، تحت مراقبة أصحاب القرار الاقتصادي ، يعتمد على التحويلات القادمة من الخارج!
وهي التي سمتها ، بعض التصريحات، وأحيانا صكوك الاتهام ، في خضم الخلط الذي فرضته دقة المرحلة، بالجهات الخارجية..
والمهم في الأمر، هو وعي الناس بهكذا اتهام:
لقد تابعت الكثير من المداخلات لأبناء الريف، والكثير من الرسائل وصلتني أو تلقيتها في البريد العمومي المفتوح على الفايس والواتساب وغيرهما من قنوات التواصل الحديث تدافع بمرارة عن نفسها حينا، وبسخرية بالغة أحيانا أخرى:

قال صديقي محمد: بعد أسابيع، وكان الحديث منذ شهر تقريبا، ستعود” الجهات الأجنبية” إلى الحسيمة، ماذا ستفعل جمارك البلاد وشرطة الحدود.
وكان يقصد بغير قليل من المهارة الماكرة عمالنا في الخارج، وعائلات بكاملها وجيل ثان و ثالث ورابع قادم من هولندا وبلجيكا وألمانيا واسبانيا وغيرها من بلاد الاحتضان..والتي شكلت الاسمنت الاجتماعي طوال عقود كانت الدولة المغربية تعتبر بان أحسن طرق العقاب الجماعي، هي فتح المنطقة على مجهولها الغربي، وعلى طرق الهجرة السيارة!
عودة “الجهات الأجنبية” إلى البلاد لم تعد بالفرح نفسه، منذ 2008، عندما تسللت الأزمة ثم سكنت في مفاصل المجتمعات الأوروبية..
ولست من يستطيع أن يقدم تأثر التحويلات المغربية لأهلنا في الريف من الخارج، بسبب الأزمة التي دخلتها الاقتصاديات الكبيرة في أوروبا..
هذا النموذج الاقتصادي في الريف، الذي يعتمد بعد تحويلات العمال من الدول الأجنبية، ومستتبعات الهجرة ، يعاني، بداهة الجدلية بين السبب والنتيجة من انحسارها منذ 2008، و دخول المنطقة إلى منطق الجزيرة المعزولة..

و بالرغم من الطريق السيار بين وجدة و طنجة، الذي يعد إنجازا كبيرا للغاية، وبنية فاصلة، أو بسببها أيضا، فإن أغلب الأنشطة الكبرى المهيكلة توجد في هاتين المدينتين، مما يجعلنا أمام انعدام ما هو في حكم الأساسي: البنيات التحية الصحية والتعليمية، العجز في الموظفين والتشغيل الخ..
وعندما يقول العديد منا إن الريف ليس استثناء في الوضع الذي يعيشه، فهذا يعني، في الوجه الآخر من العملة أنه الصورة المكبرة عن وجود هوة شاسعة بين مغربين..
ولا يمكن للتشابه أن يمنع الاستثناء، كما أن التشابه لا يعني بالضرورة التسليم بفردية الوضع، وبالتالي الاحتماء بالصمت والتشابه في التسليم بما يجب!
وهذه جدلية لست أدري لماذا يريد الفعل السياسي والإعلامي فرضها: بما أن الأوضاع في مناطق المغرب متشابهة، فعلى الريف أن يصمت كما تصمت الجهات الأخرى، علما بأن الاحتجاج في المغرب لم يعرف الطفرة التي يعرفها منذ بداية الألفية الحالية:مئات الآلاف من الوقفات الاحتجاجية التي تعبر البلاد ، جغرافيا واجتماعيا وسياسيا…
وليس صدفة أن النقطة الثانية في قوة النموذج الاقتصادي للمنطقة، أي الصيد البحري ارتبط بالفاجعة بل لعله ركز كل الفاجعة منذ مقتل الفقيد محسن فكري..
كما ارتبط ب….ثمن السردين!
والشعور بأن” السردين” أغلى .. من روح مواطن اسمه فكري، نظرا للطريقة التي توفي بها وجعلت برج السردين هو الذي يتحكم في المزاج العام..
على شاكلة: أيتها السردينة، صل من أجلنا!
الشيء الذي يضع الصيد البحري في مساءلة الناس، الذين اعتبروه مدخلا أساسيا للاستفادة من محيط البلاد البحري..

العنصر الآخر، الذي يكبر ويصغر حسب التوتر السياسي والمؤسساتي، والدي ساد في فترة انتخابية سابقة هو العنصر المتعلق بالقنب الهندي:بين دعوات تقنينه، وواقع معاينة أوضاع العاملين فيه، والتي جعلت جيشا من الناس، عشرات الآلاف في وضع المتابعين والمبحوث عنهم، وهم في أغلبهم من صغار المنتجين المعروفين ..
وهذا النقاش من غرائبه أنه يتم كما لو أننا نتحدث عن مادة لا نعرفها:
عشرات العائلات، مهن كثيرة ومطالب كثيرة تتضخم حوله، لكننا نتعامل معه كعاهة يجب ألا ندرجها في التفكير الاقتصادي للبلاد..
إنها من نوع النبتات السحرية التي لا يعرفها إلا الراسخون في السحر!
والحال أن الجميع يعرف أن المبيعات من القنب الهندي المشروعة..تتراجع بفعل عوامل كثيرة..

أمام هذا البعد الاقتصادي، الذي عمل من تحت القش، وفي تلافيف الحياة اليومية، والمحرك الأساسي، بعد التاريخ للمزاج العام، يليق بنا أن نطرح السؤال: هل الاعتقال سيحل المشكلة: لاسيما وأننا لسنا أمام تنظيم حركي، بقيادات هيكلية يمكن أن يؤثر فيها الاعتقال ويكون للاعتقال أثر سلبي على التوجه العام، كما حدث في كل الاحتجاجات العامة في البلاد؟

لا أعتقد، لاسيما مع آفاق التوتر الاجتماعي الذي تتراكم كل مؤشراته في المستقبل ..و مع تفكيك الدولة الاجتماعية والبرنامج الذي دخل فيه المغرب مع المراكز الاقتصادية، وضرورة المرور بلحظة انتظار تطول أو تقصر قبل أن تبدأ المشاريع التي ما زالت تنتظر نضجها..في إعطاء ثمارها!

 

الخميس : 22 يونيو  2017.