عندما تكون آخر حجج الدولة في الإقناع .. هي العصا!
عليها ألا تنسى
أن آخر حجة للشعوب في الإقناع،
وبالذات إقناعها هي نفسها
تكون هي … الشارع!

*   *   *    *   *

بادر ملك البلاد، في بداية المواجهات والاعتقالات التي أعقبت 7 أشهر من حراك هادئ وسلمي و- يكاد يكون شبه روتيني- إلى مطالبة الجهات المسؤولة بالتحقيق، الصارم ، في كل ما قيل عن التعذيب الذي يكون المعتقلون قد تعرضوا له.

وكان واضحا أن هذا الأمر الملكي يسير أبعد مما تصور جزء من عقلنا الحقوقي، وبلا شك أبعد مما تصورت الحكومة والجهات الرسمية، لأن ملك البلاد أراد أن يرفع الشبهة عن تصرف الدولة وبالاساس طمأنه الرأي العام ، هنا وفي الخارج بين الاصدقاء، على أن التعذيب لا وجود له، وإذا وجد فهو غير مقبول..

رفعت الإرادة الملكية السقف عاليا، وارتفعت الطمأنينة بالرغم من جرح الاعتقالات الذي لم يفهمه كثيرون منا..
كان التحقيق في التعذيب، قرارا بمعالجة نتائج الحراك
وآثاره الجسدية على الذين وسمتهم آلة الدولة..

توالت عناصر الثقة والطمأنينة أكثر من بعد: مسيرة ألوفية، تخرج في عاصمة الملك دفاعا عن ابناء الشعب في الحسيمة
وفي زنازين البلاد، تمر في هدوء وفي جو غير مسبوق،..
طمأنة أخرى على أن خيار العقل الراشد للدولة يسير في الاتجاه الصحيح ،
خروج إعمارشن، كتجاوب مع طلبات عامة ، وكعرض سياسي مواطن من طرف سكان المغرب الافتراضي والواقعي زاد من «رقة» الدولة، وانتباهها إلى هشاشة ما في الناس من أمل..

نقطة ارتفاع كبيرة للغاية تزامنت مع قرار الملك في مجلس وزاري كان الكل ينتظره بنسبة ثقة عالية:لم يخب الظن وتساوق الانتظار العام ، مع القرارات الملكية :
التحقيق -مرة» أخرى وهذه المرة مع المسؤولين عن السبب
وكانت إرادة التحقيق تسير حول الأصل في الاحتقان..

ورفعت الإرادة الملكية السقف الى حيث لم يخطر على بال الناس من السابق، ولا كان حتى من ضمن مطالبهم:
التحقيق في تنفيذ إرادة الدولة في الخروج من نفق الوضع الصعب في الحسيمة…وتحقيق التنمية والمصالحة المجالية.وإحقاق التخليق السياسي العام
وربط المسؤولية بالمحاسبة
وتحميل النافذين من المنفذين تبعات خلق التوتر: وهو تحول كبير :أي نقل المتسبب في الاختلاق من الناس إلى .. المسؤولين
ومن سكان الحسيمة إلى من يمارسون السياسة والإدارة..

وقد كان الأمر الملكي يفوق كل التوقعات حقا:

-الموقعون على المنارة هم جزء غير يسير من طبقة الحكم، ويمكن أن يكون التحقيق معهم، لوحده حدا سياسيا في العهد الجديد لا يقل عن طي صفحة الماضي والسير على هدى الدولة الكبرى تاريخيا.
أسماؤهم ، مع استحضار قرينة البراءة الى حين إثبات نتائج التحقيق العكس، تتقاطع عموديا وأفقيا وتجتاز الطبقة السياسة في كل دوائرها.
كان واضحا أن القرار الملكي صدى لمطالب ، من مستويات عديدة، بعضها شعبي وبعضها لا يخلو من «تكعيب« سياسي، اعتدنا عليه في لحظات الاختناق.
والواضح أن
التحقيق في التعذيب، كان سيمس ، جزءا من الطبقة الأمنية العاملة ، سواء ميدانيا أو عبر القرار
والتحقيق في التنفيذ الميداني للمشاريع يمس جزءا من الطبقة الحكومية والبنية التدبيرية، تقنوقراطية وسياسية في نفس الوقت، وبالتالي فإنهما، معا يشكلان اختبارا لعقل للدولة ولأذرعها..
وامتحانا لارادتها في السير نحو المستقبل بلا وجل ولا خوف من أشباح مفترضة في أعماقها أو في دهاليزها..
غير أن الذي وقع يوم العيد، يبدو وكأنه لا يساير ما أراده الملك..
هناك مشاهد غير مقبولة من الألم والعنف ، لا تساير منطق الدعوتين الملكيتين: لا دعوة التحقيق في التعذيب ولا التحقيق في التنفيذ.
والواضح أن التوتر، بعد ساعات من المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك، وتم فيه اتخاذ هذه القرارات القوية، لا يساير منطق المسؤولية والمحاسبة والارتفاع الذي أراده ملك البلاد للبلاد.

ورئيس الدولة للدولة..
ومشاهد العنف، لا يمكنها أن تساعد على تلقٍ إيجابي، ولعل من مخاطرها أنها ستجعل هذه الارادة القوية في تفعيل المحاسبة واحترام التزامات الدولة ، الحقوقية والتدبيرية والتخليقية، في مرتبة أقل من الآثار السلبية لما وقع ليلة العيد.. من المحقق أن المغرب طوال حياته المستقلة لم يواجه أبدا مسيرة ليلة العيد..
ولم ير من قبل مغاربة ينهون صلاة العيد ويخرجون إلى الشوارع، وأن أمرا كهذا غير مسبوق يمكن أن يخلق سلوكا غير مسبوق، لكن ماذا لو تم اعتبار المسيرة،امتدادا للصلاة، تعبيرا عن رغبة الساكنة في لحظة« عفو» ربانية تعيد السكينة الى القلوب، أو درعا بشريا لما أراده جلالته..؟

الكلمات التي استعملها بلاغ الديوان الملكي غير مسبوقة
والمضامين غير مسبوقة ..
والرسالة لا غبار عليها..
وقد كان التعليق الاول على ما حدث هو :
الاستياء وحده ليس كافيا
الانزعاج وحده ليس كافيا
القلق وحده ليس كافيا
كان لا بد من المترادفات الثلاث للتعبير عن غضب الملك من تعثر منارة المتوسط
والغضب هو مقدمة فقط لأمور ثلاثة أخرى هي:
التحقيق في ما وقع..
وليكن الصيف مستعرا في هذا السراب!
فمن عادة السراب أن يكون سببا في اشتعال الغضب!
وحرارة الصيف القائظة..
الكشف عن الاعلان عن مشاريع ليست جاهزة، وقد عبر بالفعل أنه غاضب «من الكاميرا الخفية» التي تمارس ضده من طرف وزراء يحبون أن يعلنوا في الكاميرات أنهم إلى جانب جلالته..
ويقدمون أشياء بعيدة عن الحقيقة..
وماكان الشعب يصرخ به، صار الملك يعبر عنه ببلاغ من الديوان الملكي ، وبوضوح..
وحرمان الوزراء من أوقات إضافية للكسل المؤدى عنه..
ونريد للبقية أن تأتي.

إضافة:من الذي قال الحقيقة لجلالة الملك؟
هل هو الشباب الذي خرج غاضبا يفضح الكذب في المشاريع أم الذين تستروا على شروط إنجازها وقدموا له مشاريع غير جاهزة تماما؟
من يساعده على الحقيقة ؟
الذين صرخوا بها في الشوارع
أم الذين اتهموهم بالانفصال؟…
إن تحديد المسؤولية يعني أن تعود الحكومة كلها الى القرار، وليس من مصلحة البلاد أن تبقى وزارة الداخلية هي وحدها في تدبير المعضلة:
وليس من مصلحة صورة الأمن أن يكون وحده في الواجهة
في حين يتكدس الآخرون في ظلال الريع
والصور الملونة
وخلف الملك وهو يدشن مشاريع لا ترى النور..!
وعندما تترك السياسة في البلاد وزارة الداخلية وجهاز الامن وجها لوجه مع آثار السياسة على الناس، يكون طبيعيا أن تكون المطالبة بمحاسبتها وحدها هي المنطقية
وهي الشعار المهيمن ضدها وحدها،
والحال أنه لا يمكن أن يقبل الأمن
ولا الغيورون على البلاد أن يكون الوضع على هذه الشاكلة…
بكل صدق نقول: لقد دفع المغاربة من لحمهم
ومن حريتهم
ومن عمرهم ثمنا قاسيا لكي تحل الديموقراطية
وكي يتقزم الاستبداد
وتتسع دوائر الحرية. وإذا كان المطلوب أن يدفعوا من جديد ثمنا
من الجسد
ومن الحرية
ومن العمر من أجل تقزيم الفساد
ومن أجل توسيع دوائر التخليق،
فهم مستعدون لذلك…
وأولهم أهلنا في الريف، كعادتهم!
ومطلبهم ، إذا تعذر إطلاق سراحهم : فقط يكون لتضحياتهم نتيجة… ويدخل المسؤولون عن التوتر فعليا
الزنازين!

 

الاربعاء 28 يونيو 2017.