من كان يعتقد قبل سنوات خٓلٓتْ، أن التوجهات الطائفية والقبلية والإثنية، ستطفو على السطح، من جديد، في المنطقة العربية؟ كان التصور السائد أن نموذج الدولة/الأمة هو الذي انتصر، بعد حصول بلدان هذه المنطقة على استقلالها، وبعد التوزيع الذي حصل، في منطقة الخليج والشرق الأوسط، جزء منه تٓمّ بالمسطرة الاستعمارية.

غير أن التطورات التي عرفها بلد مثل العراق، الذي كان رمزاً للقومية العربية، التي نجح حزب البعث في بناء دولة قوية، على أساسها، طرح مجدداً تساؤلات على مستقبل هذه الدول. فبفضل النموذج البعثي تراجعت إلى الخلف التوجهات الطائفية والقبلية، التي ظلت كامنة، وطٓفٓتْ على السطح، بعد أن قام الاحتلال الأمريكي بتفكيك الحزب والدولة بكل أجهزتها، من إدارة وأمن وقوات مسلحة…

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تٓمّ تشجيع الطائفية، من طرف الاحتلال الأمريكي، وتم أيضاً، إطلاق يٓدِ إيران لتنمّيٓ شبكاتها الشيعية، ولتستحوذ التوجهات الطائفية على الحكومة والبرلمان والإدارات وتشكل ميليشيات ومافيات… وكل ذلك بهدف ضرب وحدة العراق، التي كانت قد بدأت بفصل المنطقة الكردية، إلى أن وصل الوضع إلى ما هو عليه الآن.

النموذج السوري، رغم اختلافه، يسير في نفس النهج، أي أن هناك محاولة إمبريالية، تساهم فيها تركيا وبلدان خليجية، لتقسيم البلاد على أسس طائفية وإثنية، وهي نفس المحاولة التي تتم في ليبيا، على أسس قَبٓلِيّةٍ. من الممكن أن يقال إن ما كان ينقص الوحدة في هذه البلدان، هي الديمقراطية، غير أن كل ما حصل فيها وأدى إلى التشرذم الحالي، لم يتم بأدوات داخلية، فقط، بل أساساً بالتدخل الخارجي، الذي يظل العامل الرئيسي في التجزئة والتقسيم.

لا يعرف كيف كان سيكون مآل الوضع في المغرب، لو نجح المشروع الاستعماري الفرنسي، الذي سمي ب»الظهير البربري»، والذي لم يكن سوى محاولة لتقسيم البلاد إلى نصفين، عربي وبربري، استناداً إلى إيديولوجية تٓمّ ترويجها من طرف الأوساط الاستعمارية، حول الاختلافات بين العنصر البربري والعربي، التي وصلت في تطرفها إلى البحث عن فروقات في الخِلقة واللون والتشكيلة الاجتماعية والبنيات السوسيولوجيّة، وأيضا ما سمي بالقانون العرفي.

لقد كان وراء هذه النظرية، ترسانة من الكتابات والبحوث والدراسات، التي فٓنّدَ جُلّها عالم الاجتماع جاك بيرك، وأثبت أنها غير صحيحة، وأنها مجرد تصورات إيديولوجية، بما فيها العُرفُ.

من الطبيعي أن هناك اختلافات ثقافية ودينية، كما هو الشأن في كل بلدان العالم، منها ما يُصٓرّفُ بطريقة عادية، ومنها ما يتخذ لُبوسَ «الهوية»، ويظل ثاوياً في انتظار الساعة، التي تأتي، كما لاحظنا، في تجربة بعض البلدان العربية، بشكل مفضوح، على ظهر دبابة أو مُسْتٓتِرٍ بواسطة عملاء أجهزة المخابرات الأجنبية، أو هما معاً.

 

الاربعاء : 28 يونيو 2017.