فصول حرب متواصلة في سورية والعراق في مواجهة الاٍرهاب، ومن اجل اعادة النظر في علاقات القوى بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية المنخرطة فيها، منذ بضع سنين في سورية، وما يتجاوز العقد والنصف من الزمان بالعراق.

أجواء مشحونة تنذر بأسوإ العواقب في الخليج العربي بين قطر من جهة، وبين المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين من جهة اخرى. وجاء انخراط مصر في مواجهة قطر ليضفي على هذه الأجواء طابعا اقليميا يتجاوز مشكلة قطر وطبيعة علاقاتها بتنظيم الاخوان المسلمين أو القاعدة أو غيرها من التنظيمات، ليشير وبقوة الى ان ايران حاضرة في المشهد الصراعي بما يعقد كل محاولة للتعرف على المشهد السياسي الاستراتيجي في المنطقة الذي هو أشبه بحقل ألغام قابلة للتفجر في اَي وقت، في وجه كل من يفرط في الحد الأدنى الضروري من الحيطة والحذر في مقاربة الأوضاع السائدة فيها وولوج دوائرها قصد التأثير على مجريات الأمور لتخفيف درجة الاحتقان والتوتر على جبهة الخليج وتجاوز ارضية الحرب التي تحدد السياسات الإقليمية والدولية في سورية أساسا وفِي العراق بشكل من الأشكال. وكي لا تنزلق الأمور الى حرب إقليمية شاملة تنخرط فيها ايران وتدعمها قوى دولية تحاول اليوم اعادة رسم الخرائط في المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية والتي لا تتطابق مع مصالح دول المنطقة دائما على اقل تقدير كما هو شأن الولايات المتحدة الامريكية الحليفة بالنسبة للبعض والد الأعداء بالنسبة للبعض الآخر.

فأن تتجمع عوامل جيوسياسية ومذهبية وربما استراتيجية في نزاع ما يعني انه مرشح للتفاقم اكثر فأكثر ما لم يتم معالجته في مختلف ابعاده دفعة واحدة أو بشكل متواز ومنهجي كحد ادنى..

ويمكن الإشارة في هذا السياق الى تعدد ابعاد مطالب دول الخليج ومصر من قطر حيث تتهم هذه الاخيرة بمساندة ودعم قوى متعارضة بل وعلى طرفي نقيض في بعض الأحيان كما يدل على ذلك الجمع بين دعم تنظيم الاخوان المسلمين وحزب الله مع العلم ان هذين التوجهين يتقاتلان في ميادين متعددة في سورية واليمن وربما العراق أيضا.

فكيف يمكن التعامل مع هذا الوضع المعقد بشكل يحفظ للدولة اي دولة مهتمة بهذا الواقع، ما هو أساسي في موقفها المستقل علما ان أطراف النزاع تنتمي الى ما يمكن اعتباره محورا يدعم بعضه البعض الآخر؟ وكيف يمكن لهذا الموقف ان يؤهلها للعب دور إيجابي في التقريب بين وجهات نظر القوى المتصارعة بما يتجه نحو إيجاد حل للازمة ترى فيها مل الدول المنخرطة فيها مكسبا لها ينبغي عدم التفريط فيه بما بدفعها نحو نزع فتيل الأزمة والاقتراب من الحل السياسي الذي يظل ضالة الدول الحريصة حقا على النظر الى مصالحها الخاصة ضمن مصالح الكل الاقليمي؟

لقد عانى المغرب من ويلات التقسيم الاستعماري للبلاد ظروفا استثنائية فرضت عليه العمل على التحرر من أكثر من استعمار واحد خلال عقود طويلة. وقد جاءت قضية استكمال وحدته الترابية جنوبا منتصف سبعينيات القرن الماضي لتعرف معاناة اخرى لا تقل خطورة عن معاناة الاستعمار، كونها تحاول تكريس التقسيم الاستعماري ومنع المغرب من استعادة أقاليمه الصحراوية وحيث لعبت دولتان مغاربيتان ادوارا قذرة في افتعال نزاع إقليمي لا مبرر له على الإطلاق عدا الرغبة في الهيمنة على المنطقة وعرقلة كل ما يمكن ان يساهم في بناء مستقبل مشترك لدول وشعوب المغرب الكبير.

وليس خافيا ان هذه المعاناة والدروس المستخلصة منها قد طبعت السياسة المغربية بطابعها حيث جعلتها ذات حساسية شديدة تجاه كل الممارسات الراغبة في تدمير الاوطان والنيل من سيادة الشعوب في مختلف أنحاء العالم. لذلك لم يتم الانسياق وراء سياسات تدمير العراق وسورية رغم كل مؤاخذته على السياسات الرسمية لهذه الآخيرة، في بعض الأحيان اذ ظل المغرب يرفض دعم الجماعات الإرهابية ومختلف السياسات التي ترغب في تقسيم البلاد وانتهاك سيادتها الوطنية معتبرا ان ميثاق الامم المتحدة ومقتضيات القانون الدولي هي التي ينبغي اعتمادها في كل مقاربات هذه الأزمة بغاية تجاوزها بما بحفظ سيادة سورية ووحدتها الترابية على قاعدة الأمن والاستقرار لجميع ابنائها.

وليس هناك اَي شك ان مقاربة المغرب للأزمة الراهنة بين قطر وعدد من دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية تراعي عددا من الاعتبارات الاساسية هي من صميم خلاصات تجربته الخاصة في مجال إدارة الأزمات.

اولا، ان اَي أزمة في منطقة الخليج وتفاقمها لن يؤدي الا بالإضرار بمصالح مجمل دوله ومجلس التعاون الذي يجمع بينها منذ حوالي أربعين عاما

ثانيا، ان الدور الهام لدول الخليج على الصعيدين العربي والاقليمي والدولي سيتأثر سلبا، لا محالة، جراء هذه الأزمة، ما لم يتم تدارك الامر قبل فوات الاوان. ولعل اول المتضررين جامعة الدول العربية التي سيزداد ضعفها ويقل تأثيرها في مختلف المعادلات الإقليمية والدولية.

ثالثا، ان الأزمة قد تشرع لسياسة محاور جديدة في المنطقة العربية وربما في العالم الاسلامي اجمع، لأن انزلاق المواقف وعدم اتزانها ينذر بمثل هذا التطور الخطير

رابعا، ان المغرب الذي تجمعه علاقات التعاون الوثيق مع مجمل دول الخليج في مختلف المجالات وخاصة مع المملكة العربية السعودية والإمارات المتحدة وقطر باعتبارها الدول الاساسية المنخرطة في هذه الأزمة يرى ان من واجبه الاخلاقي والتزاماته السياسية القيام بكل ما يمكن القيام من اجل خفض درجة التوتر في العلاقات بين هذه الدول بما يراعي طبيعة المخاوف التي يمكن ان تكون لهذه أو تلك من بعض السياسات وتوفير الضمانات السياسية الكفيلة بوضع حد لأي نزعة تشكيكية في علاقات الإخوة والتعاون من خلال الاحتكام الى اتفاقيات والقوانين المشتركة بينها في إطار مجلس التعاون الخليجي، لأن من شأن ذلك تفويت الفرصة على اَي قوى إقليمية او دولية للاستفادة من اَي شرخ في العلاقات الخليجية الثنائية ومتعددة الأطراف.

ان هذا الموقف المتوازن قد لا يرضي كل أطراف هذه الازمة مائة بالمائة، لكنها لا يمكن لها الا ان ترى انه هو الموقف الوحيد الممكن والقادر في الظروف الراهنة على الدفع بتلك الأطراف الى تجاوز منطق: من ليس معي فهو ضدي، لأنه ينتهي الى منطق: اما انا وإما انت الذي هو منطق إقصائي بالتعريف لفسح المجال اما منطق متوازن يقوم على انا وانت وهو منطق الشراكة الذي كان قد ميز تجربة مجلس التعاون الخليجي في اغلب مراحلها.

وعلى كل حال فان كل منطق يصب الزيت على نيران الازمة الخليجية من خلال الانخراط في محاور جديدة غير واضحة المنطلقات وغير محددة الأهداف لن يخدم غير اجندات قوى سياسية إقليمية ودولية ليس بإمكان اي كان زعم ان حرصها على مصالح الخليج العربي أقوى من حرص دوله عليها.

مقال منشور * الأربعاء 28 يونيو 2017.