مرة أخرى تظهر الأحداث الدامية، التي عرفتها مدينة الحسيمة صباح يوم الإثنين 26 يونيو 2017 الموافق لفاتح شوال 1438 أول أيام عيد الفطر المبارك، إثر الهجوم العنيف للقوات العمومية على نشطاء الحراك الشعبي، المتواصل منذ مقتل السماك محسن فكري في أكتوبر 2016، وما خلفه من إصابات متفاوتة الخطورة في الجانبين، أن الرجل الثاني في حكومة سعد الدين العثماني ووزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان مصطفى الرميد، مازال يعيش حالة شرود مزمن لم يستطع بعد التخلص منها.

     إذ كيف له القول: “لايمكنني التصريح في موضوع تعنيف المحتجين أو التعليق عليه”، في اتصال هاتفي مع أحد المواقع حول تمادي السلطات في اعتماد أساليب القمع والترهيب، غداة انعقاد مجلس وزاري برئاسة الملك محمد السادس بالدار البيضاء، الذي أبدى امتعاضا شديدا من تعثر البرنامج التنموي الكبير “الحسيمة منارة المتوسط”، البالغة كلفته 900 مليار سنتيم والموقعة اتفاقياته أمامه من طرف عدة وزراء بمدينة تطوان في أكتوبر 2015، وأمر بإجراء أبحاث وتحريات لتحديد المسؤوليات، وموافاته عاجلا بتقرير مفصل، قد يطيح ببعض الرؤوس.

     أفلا يعد استخفافا بالمسؤولية، ادعاء وزير مكلف بحقوق الإنسان جهله بما يتعرض له المواطنون من اعتداءات وحشية، بلغت ذروتها في إحدى أعظم المناسبات الدينية لدى المسلمين، ضد محتجين عزل ما انفكوا يرددون بأعلى أصواتهم: “سلمية سلمية، لاحجرة لا جنوية”، لاسيما بعد الشعور بالإحباط لعدم استفادة المعتقلين من عفو ملكي كما كان يروج له، والخروج للتعبير عن استيائهم والمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم؟ ألهذا المستوى من الخرس والعمى يبلغ ثمن حقيبة وزارية بمغرب الاستثناء، ليصبح المسؤول منفصلا عما يدور حوله من انتهاكات للحقوق وفساد وشطط في استعمال السلطة…؟ ألا يعلم سيادته أن الساكت عن الحق شيطانا أخرس، وأن العنف لا يولد إلا عنفا مضادا؟

     فالرميد عضو الأمانة العامة بالحزب الحاكم “العدالة والتنمية” ذي المرجعية الإسلامية، اشتهر كمحامي قبل الاستوزار بدفاعه عن الحريات ومناصرة مبدأ حرية الصحافة والحركات الإسلامية حتى خارج البلاد سنة 1990، وسبق له تأسيس منتدى الكرامة لحقوق الإنسان عام 2006، وظل يرأسه إلى حين تعيينه وزيرا للعدل والحريات في حكومة بنكيران سنة 2012.

     وهنا عرف مساره السياسي منعطفا مفصليا أثر سلبا على شخصيته “الحقوقية”، ووقع الإجماع على استبداده بالرأي، حيث عرفت الوزارة في عهده تدبيرا سيئا وأعطابا كثيرة، وإخفاقات متعددة في معالجة الملفات خاصة منها ملف عقارات الأجانب، وشابت تدخلاته خروقات في الحقوق وتراجع عن الحريات، تجلت في محاكمة الصحافيين، وإنزال عقوبات قاسية بمخالفيه الرأي من الداعين إلى استقلال القضاء، من خلال عزل قضاة نزهاء، فيما ظل المفسدون طلقاء. فضلا عما شهدت به تقارير منظمات دولية: هيومين رايتس ووتش والعفو الدولية ومراسلون بلاحدود… من تدهور الوضع الحقوقي.

     وها هو اليوم يبدو عاجزا في مهمته الجديدة، عن حفظ كرامة المواطنين وحماية حقوقهم في التظاهر السلمي والتعبير الحر عن آرائهم، وزيارة الأهل والأقارب في مدينة الحسيمة بمناسبة العيد. مما أدى إلى ارتفاع الأصوات حتى من داخل حزبه منادية بإيقاف المجازر والاعتقالات والاختطافات، أو التعجيل بالرحيل عن منصب يدر عليه دخلا شهريا ضخما من أموال الشعب. ألم يكن في الولاية السابقة يلوح بتقديم استقالته من داخل البرلمان؟ ألا تستوجب الشهامة والجرأة السياسية، المبادرة إلى ذلك في ظل الحملة المسعورة للقوات العمومية ؟ ألم تؤرق مضجعه تلك المشاهد الدامية، التي تناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع؟ فلا نعتقد أنه بحاجة إلى التذكير بأن الممارسات الأمنية العنيفة تشكل خرقا للقانون وتبعث على القلق والخوف، وقد تجر البلاد إلى ما وراء دستور 2011، والإساءة إلى صورتها.

     ثم كيف يتنكر لما قدمته أمامه مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من توصيات للمغرب، خلال الدورة 27 المنعقدة بجنيف ما بين فاتح ماي 2017 و12 منه، المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومكافحة التمييز بين المواطنين، وضرورة الاعتناء بالفئات الهشة والمحرومة، وتصحيح الفوارق المجالية، والحد من استعمال القوة المفرطة ضد المتظاهرين السلميين، وتعذيب المعتقلين والاكتظاظ في السجون وسوء معاملة السجناء على مستوى التغذية والسلامة الصحية…؟

     كان ممكنا عزو “شروده” إلى وقع صدمة إزاحته من منصبه السابق، لكننا عندما نستحضر بعض إخفاقاته، ندرك أن السر يكمن في سحر “الحقيبة” مع ما يرافقها من امتيازات وتعويضات. فهو لم يساهم ولو بنزر ضئيل في تخليق الحياة العامة بالمحاكم، وتعزيز الشفافية وتقوية آليات التصدي للفساد… وكان قد سبق له لعب دور “شاهد ما شافش حاجة” أمام: حادث “تسريب وثائق بنما”، إذ قال: “لا علم لي بالموضوع، ومعرفتي قليلة بتشريعات ومساطر تنظيم الضرائب والتهرب من أدائها”، علما أن بوزارته أقساما مكلفة بكل ما يرتبط بالعدالة والقضاء. وعند التدخلات القوية ضد المتظاهرين، إبان فضيحة العفو الملكي الخاطئ عن البيدوفيل الإسباني “دانيال كالفان”، ومجزرة الخميس الأسود للأساتذة المتدربين…

     وفي انتظار انقشاع الغيوم، تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وعودة الهدوء، نأسف كثيرا أن نكتشف متأخرين أن بيننا عددا كبيرا من الوزراء ورؤساء الجماعات والجهات والمديرين والموظفين… ينطبق عليهم قول الرسول الكريم: “إذا أسندت الأمور لغير أهلها، فانتظر الساعة”. فإسناد المسؤوليات لغير مستحقيها، يؤدي حتما إلى تفشي الفساد الإداري والمالي والظلم والاستهتار، إضاعة حقوق المواطنين وإشعال نيران الغضب والاحتقان…

 

الجمعة 30 يونيو 2017.