من سوء حظ الدكتور الفاضل سعد الدين العثماني، أن خروجه الأول، منذ تعيينه، في موضوع شائك، جاء بعد مجلس وزاري، ارتفع فيه سقف الممارسة السياسية، ورفع عتبتها ملك البلاد، بشكل غير مسبوق في تاريخ المجالس الوزارية، حسب ذاكرتنا الحديثة.
فقد رفع ملك البلاد سقف السياسة ومنسوبها، من موقعه الدستوري، كملك يرأس المجلس الدستوري، وجعل الرئيس تحت العتبة بكثير..

لقد تحدث جلالة الملك عن:

-1- تفسير محدد، ضمني للأحداث، عندما جعل المسؤولية تقع على الذين لم يساهموا في تنفيذ سياسته في الإقليم.
-2-وضع على الرف التفسير الأول الذي سارعت إليه حكومة السيد الرئيس، وبحضوره شخصيا، بالحديث عن أياد خارجية وانفصال وووووو، وكان عليه لزاما أن يجد لنفسه مخرجا بعد الذي قدمه ملك البلاد والطي الرسمي للتفسير الحكومي بما يعطي فكرة أخلاقية عن السلوك السياسي للرئاسة والحكومة ..
-3- وضع المعالجة ضمن منطق سياسي أساسي يربط المحاسبة بالمسؤولية، وهو ما كان يستوجب، أن يقدم السيد الرئيس، صيغة ملموسة لهكذا أمر..

في قضية الحسيمة والحراك الذي يهز الريف والبلاد بمؤسساتها كلها، قال السيد الرئيس، إن الحكومة اعتمدت مدخلين لمعالجة ملف الحراك الاجتماعي بالحسيمة،

أولهما سياسي يرتكز على الحوار، مبديا بهذا الخصوص استعداد الحكومة لدعم أي مبادرة مدنية للحوار.

أما المدخل الثاني، يضيف رئيس الحكومة، فيهم المستوى التنموي “الذي اهتمت به الحكومة على جميع الأصعدة من خلال تتبع لقاءات الوزراء المعنيين الذين يشرفون على برامج بالمنطقة«.
وأبرز في هذا السياق أنه “تنفيذا للتوجيهات الملكية الصارمة تقرر عقد لقاء أسبوعي للوزراء المعنيين لمتابعة البرامج على الأرض”، وحث الوزراء على الانتقال إلى المنطقة للوقوف على سير تنفيذها.كما أشار إلى أن جلالة الملك أمر بتشكيل لجنة تحقيق لتحديد المسؤوليات عن التأخر الحاصل في إنجاز المشاريع بالمنطقة.

لنتحدث عن المدخل الأول:

لقد اختزل السيد الرئيس الحل السياسي في «دعم أي مبادرة مدنية للحوار»..
والحال أنه بذلك، يضع الحكومة في مرتبة » المسهل» facilitateur لعملية هي من صميم وجودها..لم يسهب السيد الرئيس في الكيفية التي يرى بها تدخل الحكومة، باستعداد كامل في دعم أي مبادرة للحوار المدني، كما لو أن الأمر يتعلق بنزاع اجتماعي بين أرباب العمل وبين البروليتاريا!
إن التفكير الذي قامت عليه نظرة السيد الرئيس، هو تفكير «المفاوضات «في النزاعات العمالية أو لنقل نزعات الشغل، تتدخل فيها الحكومة بخيط أبيض لتسهيل مأمورية الطرفين وتلطيف الأجواء.
والحال أن الشارع العام والمغاربة في الحسيمة والإقليم والطبقة الحقوقية، صارت ترفع مطلبا سياسيا يتمثل في إطلاق السراح، وبذلك عاد إلى القاموس الوطني مطلب اعتقدنا منذ فبراير 2011 أنه وراء ظهورنا..

لن نطرح أي سؤال آخر، حول ما الذي يتصوره السيد الرئيس عن سلوك الدعم والمساندة للمبادرات المدنية: هل يطلب منها أن تنوب عن الحكومة في الحل؟
هل يمكن لهذه المبادرة أن تعفي الدولة من دورها الأمني؟
هل يمكن أن ندخل، بدون مقاربات ولا مواضعات ولا بمقدمات في الديمقراطية التشاركية، بدون أن نستنفد الديمقراطية التمثيلية والتي يمثلها، دستوريا ومؤسساتيا وديموقراطيا

السيد رئيس الحكومة، ونحن معه في الطبقة السياسية الممثلة في النظام البرلماني المغربي؟

إنها أسئلة لا يبدو أنها حاضرة في نسيج التحليل الذي قدمه السيد الرئيس، لكنها بلا شك خلفية قائمة، ولو من باب «السياسة بالعجز»!
أو بالفراغ الحكومي..كما يتضح من خلال جوابه – عن صواب – بأن إطلاق السراح ليس اختصاصا حكوميا.
والحال أنه سياسيا، ملزم بتقديم قراءة في الحدث والقضية..

لنطرح سؤالا “كافكاويا”:ماذا لو قامت المبادرة المدنية للحوار، والحراكيون وكل الطيف الحقوقي، بلقاءات توصل في نهاية التحليل إلى .. ضرورة إعفاء الحكومة من الملف وتدبير البلاد في هذا الوقت، وكان المدخل أبعد مما نتصور، هل سيقبل السيد الرئيس بالنتيجة؟
سؤال قد يبتسم له الرئيس، لكنه سؤال لكشف الجانب المغامر في أطروحة غير سياسية بالمرة!

إن تجربة الفعل السياسي، ونقصد بها اللحظة الذي يكون فيه اتخاذ القرار ضروريا، لا قيمة لها إلا إذا واجهت، باستمرار، الحدث الصعب، وواجهت الأزمات، ومن هنا فإن التجربة السياسية هي في النهاية،« التفكير في معايير الفعل السياسي، والتفكير في الطريقة التي تصطدم بها القناعات، كجزء من الأخلاق، بتحمل المسؤولية، كما تعلمنا الفلسفة السياسية عند “بول ريكور”.

كيف نعطي معنى سياسيا للنزاع..

بلغة أخري:هل نريد مجتمعا ديموقراطيا وحلا في مجتمع ديموقراطي؟ فعلينا أن نسلم بأن الديمقراطية هي المجتمع السياسي الذي تكون فيه كل النزاعات مفتوحة كما تقول ميريام دالون، …وللتفاوض حول هذه النزاعات لا بد من مساطر وإجراءات وعمليات تحكيم يقوم بها من له الأمر، لكن للقيام بذلك لا بد من وجود خلفية أعمق لمعرفة ما هي الأولويات وترتيبها والتي سنؤسس عليها هذه المعايير وهذه العمليات التحكيمية، وغير ذلك من المساطر..
وإلا سيكون حديث رئيس الحكومة حديث وعظ وإرشاد، وليس حديثا سياسيا في قضية شائكة مثل حراك 8 أشهر بالتمام والكمال.…

 

الاثنين 03 يوليوز 2017.