منذ أشهر ومنطقة الريف  بشمال المغرب تتخبط في حراكها . ومرت الأحداث إلى سرعتها القصوى منذ أسابيع.. فتحرك الإعلام بتلاوينه كلها ، من الرسمي إلى المستقل ، ومن المحترف إلى الهاوي ، ومن العارف إلى المقامر ، ومن المتملق إلى الراديكالي .. وللسياسة الإعلامية قواعدها وتماساتها وحتى متاهاتها .

والتتبع الإعلامي للأحداث صار مشاعا للعموم ، لكن تبقى للمواقف منهجياتها . وللمتتبع البسيط حقه في التعاطي مع الأحداث والمواقف حسب قدرته أو قدرة وسلطة الوسيط الإعلامي وقوة تسويقه للمواقف وحتى فبركتها لاستقطابه …

 لكن ، للمثقف وضع آخر وحق آخر وواجب آخر …للمثقف الحق في الرأي، بل عليه واجب الرأي . و الرأي أساس المواطنة وركيزتها . وإذا انتفت أركان وعناصر المواطنة لا سبيل لنا للحديث عن ” مفهوم المثقف ” ،وحتى بغض النظر عن الانحياز لمفهوم المثقف العضوي ، أو ما تبقى منه ..

ونحن نعيش على إيقاع يوميات أحداث الريف …بمرها أو عنفوانها ، وبجوهرها أو شكلها ، وبمحاصرتها أو تمددها ، وبيقينها أو شكها ، وبتداعياتها أو هندستها ، وبواقعيتها أو مغامراتها أو شططها … نعيش أيضا إيقاع مواقف مثقفينا ونتتبع إيقاع تفاعلهم .

والبديهي أن موقف المثقف يضل معلنا ومحددا لكل محطة سياسية ، حتى لو اعتقد المثقف في قدرته على التواري ، أو أعلن استقلاله من الموقف ، أو غلفه بالمضمر في الخطاب .

قد لا يستقيم التقييم الآن وحالا ، وقد لا تكون لي أهلية التقييم حتى …لكن هناك ما يدعو إلى القلق ونحن بصدد أحداث كأحداث الريف ، وعلاقة المثقف بها وبقضايا الوطن الأخرى . وهنا وراهنا أود أن  أثير الانتباه إلى أحداث  أخرى ووضعيات تهم  “المثقف المغربي “في تعاطيه وتفاعله مع حراك الريف وغيرها ..

فإذا كان الصمت حكمة – في سياق مثل تقليدي محنط –  فقد كان هذا الصمت ديدن العديد من مثقفينا وحتى أباطرة أو حكماء المشهد منهم، رغم صدور بعض البيانات القليلة كبيان اتحاد كتاب المغرب الأخير ، وإطلالات أخرى في شبه تصريحات لا ترقى إلى مستوى التحليل … والصمت هنا يتم بسبق إصرار ، كما سبق واستمر الصمت إزاء العديد من القضايا التي لا تهم الوطن بعينه بل تتجاوز حدوده إلى مناطق أخرى تحكم مصيرنا المشترك عربيا وإقليميا ودوليا .. مع العلم أن صمت المثقف لا يخدم لا القضية ولا المثقف ولا حتى مصالح من يتوهم  الإنابة عنهم ،أو أنه يصمت من أجل حكمتهم .

ثم حدث  في ذات الحراك أن نبث فريق آخر من  “مثقفي الظرفية ” لملء فراغ مساحات الجدل التي لا تقبل الفراغ أصلا ،فريق ركب على الحراك ركوب المتهافت ، وانخرط في حرب التحليل وفق خطط حروب ” دانكيشوت ” …فمنهم من أفتى بغير علم حتى وجدنا وسمعنا من نسب الحراك بالريف إلى الشيعة ، ونسب الشيعة إلى عمر بن الخطاب …

وحدث أيضا أن بادرت قلة من الكتاب والإعلاميين والفنانين المغاربة بجمع توقيعات لبيان معتدل للتعبير عن الموقف من الأحداث نفسها – في حدود 500 من الموقعين – ، وبدل أن يتم تثمين المبادرة أو التفاعل معها وفق ما يستحقه الظرف والقضية ،انقلب الشأن والنقاش إلى عكس أهدافه ومراميه ، إذ أضحت المبادرة مناسبة للدخول في حروب ذاتية بين الموقعين وغير الموقعين وحتى حول ترتيب الأسماء وعن أحقية واختيار الصورة التي يشهر بها البيان الصغير على واجهات المنابر الإعلامية والمواقع الالكترونية …

بيان  صغير صار مناسبة كبيرة لحروب صغيرة استعملت فيها كل الأسلحة من قواميس القذف والتعنيف  والهجاء والنميمة …

فهل بهذه الصورة سيساهم المثقف المغربي في تأطير حراك الريف وغير الريف ؟

وهل يحتاج مثقفونا أنفسهم لحراك خاص وذاتي يقربهم عضويا من قضايا الوطن ؟

وهل بلغ واقع وموقف مثقفينا حضيض البؤس الفكري ؟

أهو قصور في الآليات أم في محدودية تلمس خيط النظرية ؟

أم أن المرحلة مرحلة خصي جماعي للمثقف ؟

 

الصويرة : الاربعاء 05 يوليوز 2017.