ما أتعسنا نحن المغاربة في ظل ما بتنا نعيشه من فساد واستبداد ببلادنا، التي تحولت إلى ما يكاد يشبه غابة متوحشة، تهيمن على أراضيها وخيراتها حيوانات ضارية، في شكل كائنات بشرية !

     فحتى قبل تلاشي أصداء غضبة الملك محمد السادس، المعبر عنها بوضوح إبان انعقاد المجلس الوزاري بالدار البيضاء خلال الليلة الأخيرة من شهر رمضان الأبرك، حول تعثر إنجاز البرنامج التنموي الضخم “الحسيمة منارة المتوسط” (2019-2015)، ذي الكلفة المالية البالغة حوالي 900 مليار سنتيم، والذي أشرف على توقيع اتفاقياته من قبل عدة وزراء في أكتوبر 2015. تعالت الأصوات مستنكرة ومنددة بالأحداث الأليمة، التي شهدتها مدينة الحسيمة صباح يوم عيد الفطر، إثر تدخل القوات العمومية العنيف ضد نشطاء حراك الريف، المتواصل منذ ثمانية شهور، من أجل الإفراج عن المعتقلين الشباب والاستجابة لمطالبهم الاجتماعية والاقتصادية المشروعة.

     وفي خضم أحداث الريف المقلقة، انفجرت في سماء “حد السوالم” قنبلة ثقيلة: ضبط عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية مبلغ 17 مليار سنتيم في خزانة حديدية بفيلا المدعو زين العابدين حواص، دون أن تجشم الدولة نفسها عناء إصدار بلاغ رسمي ينفي أو يؤكد الخبر. مما فسح المجال أمام انتشار الشائعات، وألهب خيال رواد مواقع التواصل الاجتماعي في صياغة وإنتاج رسائل وأشرطة، تتناول بسخرية لاذعة “الخبر” الذي اخترقت تفاصيله حدود الوطن. فمن يكون يا ترى هذا البطل “الأسطوري”، الذي شغلت فتوحاته بال الناس وغزت صوره مختلف وسائل الإعلام؟

     ف”زين اللصوص” هذا ليس سوى برلماني معزول ورئيس بلدية حد السوالم بإقليم برشيد، يعترف خصومه السياسيون بأنه كائن انتخابي شرس، ويشكل رقما صعبا في معادلات الانتخابات الجماعية والتشريعية. تربع على كرسي رئاسة نفس البلدية منذ عام 2009 بلون سياسي غير الذي عليه اليوم. عزل بقرار من وزارة الداخلية عام 2014 لثبوت ضلوعه في تجاوزات خطيرة، وعاد بقوة في انتخابات شتنبر 2015 الجماعية باسم حزب آخر. استمر على نفس النهج من المكر والدهاء والتسلط وسوء التدبير. إلى غاية ظهور سيل من الشكايات، رفعها ضده مواطنون وجمعيات وشركات ومقاولون… ووحدها رشوة موثقة بقيمة 80 مليون سنتيم، قادت إلى الإطاحة به في قبضة العدالة. وبعد سلسلة من التحقيقات، وجهت له اتهامات بالارتشاء والابتزاز واختلاس المال العام والتلاعب بالصفقات العمومية وتمتيع مقربين وأفراد عصابته بقطع أرضية وإعفاءات ضريبية…

     وسواء كانت “قنبلة” السبعة عشر مليارا حقيقة ثابتة أم مجرد “خدعة سينمائية”، تستخدم في أفلام الخردة المستوردة من بوليود، فإنها وما سبقها من تدشينات ملكية لمشاريع تنموية، نهبت ميزانياتها في الطريق “السيار”، لا تمثل في واقع الأمر سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد العائم. حيث أن بلادنا كغيرها من الدول النامية، تعاني بشدة من معضلة كبرى، ممثلة في استشراء الفساد الإداري والمالي، الذي يعد بحق عائقا كبيرا، يحول دون القدرة على رفع تحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإحداث الطفرة النوعية المرجوة، التي من شأنها النهوض بأوضاع البلاد والعباد.

     فما بات يطفو على السطح خلال السنوات الأخيرة من فضائح وجرائم مالية، تزكم رائحته الأنوف وينذر بمزيد من التأزم والاحتقان، يقتضي التعجيل بالتصدي للعابثين والمستهترين بالمسؤوليات، من خلال ابتكار آليات ردع حديثة ومراقبة صارمة، ومصادرة أموال وممتلكات كل من ثبت تورطه في حالة فساد. إذ ليس وحده صاحب 17 مليار سنتيم من ينبغي التشهير به وإدانته، فهناك غيره من الموظفين السامين ورؤساء الجماعات المتورطين في فضائح أخرى مدوية، تكاد تقارير المجلس الأعلى للحسابات ولجن تقصي الحقائق والمفتشية العامة للمالية، تغرق المحاكم بما تشمله ملفاتها من تجاوزات واختلالات خطيرة، يمكن إجمالها في اختلاس وتبديد المال العام، خرق القوانين التنظيمية المرتبطة بالصفقات العمومية، التوظيفات خارج المساطر القانونية، تسليم رخص البناء دون احترام التصاميم، التشجيع على تنامي البناء العشوائي حتى فوق المجال الغابوي والفرش المائية، استغلال مقالع الرمال وعدم احترام الكميات المسموح باستخراجها سنويا، إبرام صفقات وهمية وأنشطة غير مبررة، تشييد إقامات سكنية وفيلات برخص مسميات مزيفة، تحويل أجزاء هامة من ميزانيات المخيمات والتظاهرات الرياضية والثقافية ومصاريف الأعياد والاحتفالات الرسمية وكميات الوقود… إلى الجيوب.

     والفساد للأسف الشديد، طال حتى كبار المسؤولين من وزراء ورؤساء جهات ومؤسسات وطنية من كافة الأحزاب السياسية. ولعلنا نتذكر جميعا فضائح من قبيل: تبديد 117  مليار سنتيم في التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، شكلاطة العقيقة بحوالي 40 ألف درهم، وكراطة المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله، الذي صرف على إصلاحه 22 مليار سنتيم. ناهيكم عن هدر المال العام في اقتناء السيارات الفارهة واللوحات الرقمية والهواتف الذكية والاستفادة من الأراضي السلالية بأثمان رمزية….

     عموما، ليست العبرة بعرض التقارير والكشف عن انتهاكات مالية وإدارية هنا وهناك، دون تطبيق القوانين في حق المتورطين بتجرد، وبعيدا عن الانتقائية والخضوع للتعليمات. فالعبرة في استقلال القضاء وضمان المحاكمة العادلة وتخليق الحياة العامة وتقوية المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإلا ستظل منظومة الفساد عصية عن التفكيك وأحد أكبر الإشكالات المعيقة للتنمية، مما يستوجب تظافر جهود الجميع: دولة ومواطنين وحقوقيين ووسائل إعلام وجمعيات المجتمع المدني وأحزاب سياسية… أفلا يعتبر منح التزكيات لمن سبقت إدانتهم في جرائم مالية، والسماح لهم بالترحال السياسي والترشح للانتخابات وتصويت الناخبين لصالحهم، مساهمة كبيرة في تكريس الفساد؟