تؤكد كل المعطيات الواقعية والمؤشرات الاقتصادية والإحصائية، سواء السوسيولوجيّة أوالعمرانية أو الديمغرافية، أن الأوضاع الاجتماعية ستزداد اختناقاً، مما يغلب احتمالات انفجار احتجاجات، حول مختلف المطالب، قد تأخذ صورة ما حصل في الحسيمة، وقد تكون على صورة أخرى، وبأشكال مختلفة، لأن التوترات ذات الطبيعة المطلبية، ستطفو على السطح كلما وصلت إلى سوق الشغل أعداد مضاعفة من الشباب، وزادت الحاجيات للخدمات والمرافق العمومية…

هذه احتمالات واردة، بشكل كبير، لأن أسبابها الموضوعية موجودة، ومن الطبيعي أن تترجم التوترات، في كل الحقول، السياسية والنقابية، وأيضا في تجليات أخرى، مثل المظاهرات والوقفات والمسيرات والاعتصامات… وهو ما تؤكده الإحصائيات، حيث إن المغرب يشهد عشرات الاحتجاجات، يوميا، في مختلف جهاته.

غير أن الطابع الأكثر حدة واستمراراً، هو ما يحصل في الحسيمة، حيث امتدت الاحتجاجات في الزمان، واتخذت طابعاً سوسيواقتصاديا، لكنه لا يخلو من البعد السياسي، المتمثل في الشعارات التي تندد بما يسمى في اللغة الدارجة ب»الحكرة»، وهي مزيج من الإحساس بالظلم الطبقي والقهر الاجتماعي والتهميش الاقتصادي والتمييز في الولوج للخدمات، وعلاقة توتر مع رموز السلطة، خاصة على الصعيد المحلي… بالإضافة إلى كل المشاكل المعروفة في التعليم والصحة والشغل.

وما يمكن تسجيله بخصوص هذا الحركة الاحتجاجية، في الحسيمة، هو أنها في الغالب الأعم، ظلت سلمية، كما أن كل الأطراف من سلطة وأحزاب ومختلف الهيئات الأخرى، أقٓرّت بمشروعية مطالبها، رغم بعض القراءات الخاطئة، التي كانت جزئية ومعزولة، وهذا هو الوجه الإيجابي في كل هذه الأحداث.

إذ يمكن أن تشكل مصدر أمل، بدل أن تُستغل بشكل سلبي لضرب الاستقرار أو لخلق مزيد من عوامل الاحتقان، وهنا يكمن دور السياسة الواقعية، التي تستوعب الدروس وتتفاعل بشكل بناء مع المؤشرات الموضوعية، وتؤسس عليها البرامج والتصورات والمشاريع، لإحداث تغييرات جذرية، في النموذج التنموي، الذي أثبت فشله، وأدى إلى زيادة الفوارق الطبقية والمجالية.

من الممكن أن تكون الاحتجاجات عامل بناء، وليست عامل هدم، لأن جوهرها هو التنبيه إلى الخلل الكبير الذي يزيد استفحالا بسبب النموذج الاقتصادي والاجتماعي والتنموي، الذي يقدم الدليل تلو الآخر، على أنه أصبح هدما وليس بناء.

 

الاربعاء 12 يوليوز 2017.